يوميات الحجر الصحي للأستاذ محمد شيڭر





Mohamed Chiguer : L'intellectuel et le syndrome de tutelle | Le ...

يوميات الحجر الصحي
اقتصادي وكاتب - رئيس مركز الدراسات والأبحاث عزيز بلال

     1 الى 5 من شهر الحجر الصحي من عام كورونا الموافق ل 20 -25 مارس 2020
ما أن أعلنت الدولة على إجراءات أولية لمحاصرة فيروس كورونا المتجدد وقبل أن يتخذ قرار الحجر الصحي، حتى كثر اللغط حول هذا الوباء وتدلت الألسن لترى بعضها فيه عقابا على ما اقترف من فساد وترى أخرى أنه وباء مفتعل بينما اعتبرته فئة ثالثة حرب بسوس في صيغة جديدة. هذا التضارب فيما يمكن أن نعبر عليه بوظائف الجائحة دفع بنا الى تخصيص الأيام الأولى من الحجر والتي تجاوزت الست أيام بقليل للانكباب على هذا الموضوع.
وظائف الجائحة
مقدمة
يتطور المرض المعدي الذي يظهر لأول مرة على مراحل. تكون عدواه في مرحلته الأولى في بدايتها ويكون خطره محدودا بمحدودية تفشيه. في المرحلة الثانية يصبح وباء، بمعنى أنه ينتشر بشكل سريع في نطاق جغرافي محدد إما داخل بلد معين أو على مستوى العالم (حالة الصين عند ظهور فيروس كورونا) ثم جائحة في مرحلته الثالثة نتيجة تفشيه بشكل سريع فيعم البلد برمته ليتحول الى جائحة محلية أو يعم العالم فيصبح جائحة عابرة للقارات كما هو الحال الآن بالنسبة لهذا الفيروس حيث اجتاح الى هذه اللحظة أكثر من 180 دولة.                                                                
 بهذا الشكل فهو ينتقل من وضعية يمكن وصفها بالمخادعة لعدم التعرف عليه والتردد في الإشهار به، إلى ضائقة صحية مادام شعاع انتشاره محدود إلى حد ما قبل أن يصبح محنة صحية. والمحنة، كبلية وتجربة شديدة ومؤلمة إن لم تكن مأساوية، طرحت ولازالت تطرح سؤالا تفاوتت الإجابة عنه من شخص لآخر: " لماذا يبتلى الإنسان بهذه المحنة؟" وبعبارة أخرى: "هل للمحنة وظائف معينة؟" الجواب يدفع بنا إلى الأخذ بالافتراض التالي: هناك وظائف للجائحة لأن ليس هناك في الطبيعة كائن لا وظيفة له. فبما أن فيروس كورونا المتجدد كائن حي و باعتباره هو المسبب للجائحة التي يعاني منها العالم حاليا، فان لهذه الجائحة وظائف سنحاول تناول تلك التي استخلصناها من انتشار هذا المرض.           
وظائف الجائحة
سأترك جانبا الوظيفة التي أرادها له أولئك الذين يدعون بأن الجائحة عقاب جماعي يبتلي به الله عباده كجزاء عما يقترفونه من ذنوب وما يأتونه من كبائر فيحق فيهم القول. كيف للخالق أن يريد الشر بعباده وهو الذي قال في كتابه العزيز:" يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر"(سورة البقرة)؟ لما العقاب الجماعي بدل الهداية الجماعية وقد جاء في القرآن قوله تعالى: «قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين" (سورة الأنعام)؟ قد يكون الاعتقاد بأن الجائحة عقاب جماعي نابع من الغيرة على الدين دون أي خلفية تدينية وقد يكون نتيجة تغليب التدين على الدين واعتماد النقل على العقل وقد يراد به شيء في نفس يعقوب. كيفما كان الاعتقاد، سواء عن حسن نية أو بنية مبيتة، فوظيفة الجائحة كعقاب جماعي لا يقبل بها العقل ولا يمكن اعتمادها في التعامل مع هذه الظاهرة لما قد يترتب على هذا الاعتماد من تداعيات على صحة الأفراد (عدم العمل بالتباعد الاجتماعي بالإبقاء على المساجد مفتوحة في فترة الحجر الصحي والسماح بتنظيم مسيرات كتلك التي تنظم طلبا للغيث).                                                                         
إن هذا الاعتقاد تتقاسمه كل الطوائف الدينية. "فإتلاف مشككين (في الولايات المتحدة)، من بينهم رهبان إنجيليون، شجب معاكسة حرية التدين وسيس النقاش"[1]. في البرازيل، رجال دين أنكروا خطورة الفيروس. وفي إسرائيل، لم يمتثل الأصوليون لقرارات الدولة ولم يحترموا الإجراءات المتخذة للتصدي للوباء. هذه الطوائف، بغض النظر عن دياناتها، وجدت من يساندها ويسمع صوتها من داخل الحقل السياسي كما هو الشأن بالنسبة لرئيس البرازيل جايير بولسونارو واليمين الأمريكي المعادي للعلم.                                                      
 باستعراضنا لمقاصد الدين الخمسة وهي: حفظ كل من النفس والعقل والدين والعرض (أو النسل) و المال، يتضح لنا أن حفظ النفس هو المقصد المحدد في آخر المطاف للمقاصد الأخرى لكون حفظ الأبدان مقدم على الأديان. لذلك فعدم الالتزام بهذا المبدأ قد يعرض النفس إلى التهلكة و هو ما نهى الإسلام عنه ( و لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة). بالإضافة إلى هذا، فالجائحة الحالية تخبط خبط عشواء فلا تميز بين الخير و الشرير و الفاجر و التقي و لا بين المؤمن و المشرك، و هي تستهدف من هم في سن متقدمة أكثر من الأعمار الأخرى و تفرض إغلاق دور العبادة كفرضها إغلاق المواخر و الحانات و المدارس. كيف لهذه الجائحة أن تكون لها وظيفة العقاب الجماعي دون التمييز بين الظالم ( الفاجر و الفاسق و المشرك...) و المظلوم ( المؤمن و التقي...) و الله قد حرم على نفسه الظلم كما جاء في الحديث القدسي التالي:" يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي و جعلته بينكم محرما، فلا تظلموا"؟                                                                                   
و لن أتطرق للوظيفة الأخرى التي ترى في الفيروس سلاحا فتاكا صنع في المخابر تحسبا لحرب بيولوجية و لا إلى تلك التي يمكن نعتها بالتآمرية بربط الفيروس بنظرية المآمرة. فوضع الوظيفة الأولى جانبا يعود إلى كوننا لا نتوفر على ما يثبت بالحجة و البرهان أن هذا الفيروس صناعة مخبرية خاصة و أن هناك أطروحة أخرى تقول بانتقال الفيروس من حيوان متوحش إلى الإنسان.هذا لا يعني أن الإنسان لم يلجأ إلى البيولوجي أو الكيماوي في حروبه. فإسبانيا استعملت السلاح الكيماوي في حربها مع أشاوس الريف، سلاح لازالت آثاره – حسب بعض المختصين- بادية للعيان عبر نسبة تفشي مرض السرطان في هذه الجهة من المغرب. واستعملت إلى عهد قريب غازات سامة في الحرب التي كانت تدور رحاها في سوريا. و لجأت الولايات المتحدة إلى اتهام صدام حسين بامتلاكه لهذا السلاح الفتاك للإطاحة به و تبرير غزوها للعراق. فسجل الإنسان حافل بما يثبت وحشيته. يكفي أن نتذكر  في هذا الصدد ما حدث من إبادات عبر التاريخ و ما شاهدته الحرب العالمية الثانية من استعمال للسلاح النووي لتسقط الأقنعة و ينكشف الوجه البشع للإنسان .                                                       
فيما يخص الوظيفة التآمرية، حيث أشارت بعض الأوساط إلى مسؤولية الولايات المتحدة في ظهور هذه الجائحة  باستغلالها مشاركة فريق من جنودها في استعراض بمدينة يوان الصينية لزرع فيروس كورونيا المتجدد تشفيا في الصين التي تشكل بالنسبة لها شوكة في حلقها، نرى من الصعب مسايرة هذا الطرح ليس فقط لأن هذه الأوساط لم تقدم ما يثبت هذا الإدعاء و لكن لأن ما يحدث الآن من انتقال بؤرة الجائحة من الصين إلى الولايات المتحدة يفقد هذه النظرية وجاهتها و يطرح السؤال التالي: "كيف لدولة أن تتآمر على دولة أخرى باللعب بالنار دون أن تتخذ الاحتياطات اللازمة حتى لا ينقلب السحر على الساحر؟"، فلو أن الولايات المتحدة بادرت باستعمال لقاح أو دواء لهذا المرض بمجرد انتقاله إلى أوروبا لقلنا أن لهذه النظرية ما يبررها لكون صناعة اللقاح أو الدواء تتطلب وقتا غير يسير.                                                                                      
هناك وظيفتان أخريتان ارتأينا  الإشارة إليهما بعجالة و إن كانت أهميتها لا تناقش و نعني بهما الضبط الديمغرافي و مراجعة الذات. فقد يجد كل الذين يتقاسمون نظرية  توماس مالتوس (1776-1834)  المتعلقة  بالتكاثر السكاني في الجائحة ما يخفف الضغط على ما ينتج من مواد غذائية لكون السكان يتزايدون حسب متوالية هندسية بينما تتزايد المواد الغذائية حسب متتالية عددية. فالحروب و الأوبئة تساعد على الحد من تسارع نسبة النمو الديمغرافي الشيء الذي يساهم في تجنيب الساكنة ندرة المواد الغذائية و ما يترتب عنها من مضاربة و مجاعة و عدم الاستقرار.                                               
 ما يعاب على هذه النظرية أنها لم تدخل في الحسبان دور العلم و تطور التكنولوجيا في معالجة تفاوت مؤشري تنمية كل من السكان و الموارد الطبيعية و لم تأخذ بعين الاعتبار الانتقال الديمغرافي و ما يترتب عنه من تراجع في نسبة نمو الساكنة. لكن هذا لم يمنع بعضهم من الاستئناس بهذه النظرية لصياغة مواقف و سياسات لها علاقة بالإشكالية الديمغرافية. و هذا ما استنتجناه من التجربة الحالية  لبعض الدول الأوروبية (بريطانيا العظمى في مرحلة أولى و هولندا و السويد) في تعاملها مع الجائحة. فلكون هذه الظاهرة تستهدف بالدرجة الأولى المسنين و باعتبار شيخوخة الساكنة و ما ينتج عنها من ضغط على صناديق التقاعد و توسع في حاجياتها ( من مسكن و تطبيب و رعاية) فإن التغاضي على تفشيها تحت غطاء التمكن من "مناعة القطيع" يروم التقليص من عدد المسنين للتخفيف من أعباء المجتمع بصفة عامة و الدولة بصفة خاصة.                                
أما وظيفة مراجعة الذات فهذا موكول للأفراد و الجماعات. لكل فرد تجربته الخاصة مع كورونا، فتجربة الذي أصيب بها و شفي منها ليست هي تجربة الذي لم يصب بها. و تجربة الفاعل الطبي (الطبيب و الممرض) ليست هي تجربة الإنسان العادي أو حتى الطبيب أو الممرض الذي لم يكن في الخط الأمامي و هللم جرا. كذلك الأمر بالنسبة للجماعات أو لنقل للمجتمعات و الدول. فكل مجتمع و كل دولة تنفرد بتجربتها الخاصة.                        
 قد تكون هناك دروس مشتركة سواء بالنسبة للأفراد أو المجتمعات و الدول لكن هذا لا يعني أن المراجعات ستكون متطابقة أو على الأقل متشابهة بل و قد يكون هناك من سيتبرم من القيام بمراجعة ذاته و لنا في أزمة 2008 ما يشير الى أن هذه المراجعة ليست تلقائية وأن الفئوية و اللوبيات ستقاوم كل تغيير لا يصب في مصلحتها. كل من يعتقد أن العالم سيعرف ما قبل و ما بعد فيروس كورونا المتجدد بمجرد الخروج من هذه المحنة عليه التريث لأن التغيير لن يكون بالسهولة التي تفشى بها المرض.                                                 
سنتوقف عند وظيفتين مهمتين لما لهما من ارتباط بالتطورات التي تعرفهما الساحتين المحلية و الدولية منذ اندلاع الثورة التكنولوجية. هاتان الوظيفتان هما: وظيفة التعرية و وظيفة فك العقدة.
1- وظيفة التعرية
 من أهم وظائف الجائحة وظيفة التعرية. فهذه الظاهرة الطبيعية تعري على الواقع و ترفع الغطاء على المستور بتحويل الضمني إلى صريح و بالتالي بإسقاط الأقنعة و الكشف عن الحقيقة. فأول من يعرى هي الدولة و تعريتها تهم: أ- مدى جاهزيتها و استعدادها لمجابهة الطارئ عبر التحقق من صواب اختياراتها و وجاهة السياسات العمومية المتبعة،ب)و قدرتها على  إدارة المحنة و تدبير الجائحة  .
1- المحنة و جاهزية الدولة
 إن الطابع الغير المرتقب لظهور الفيروس و انتشاره لينتقل من وباء  إلى جائحة يأخذ بلد المنشأ، وهو البلد الذي يظهر فيه لأول مرة، على حين غرة، فلا يسمح للدولة بالاستعداد له كاستعدادها للحرب التي تندرج في بوثقة  المحتمل أو المرتقب حيث تسبقها بوادر قبل أن تقرع الطبول.لهذا فالجائحة محنة يصاب بها مجتمع المنشأ دون سابق إنذار و دون أن تقوم الدولة بالإعداد لها ما استطاعت من قوة و من رباط الخيل تحد به من تفشيها فتراجع اختياراتها و لو مؤقتا، إذا لزم الأمر ذلك، و تسد ثغرات سياساتها العمومية إذا وجدت.                                                                              
تفقد هذه الظاهرة طابعها غير المتوقع بالنسبة لبلد الاستقبال الذي تنتقل إليه العدوى عبر الوافدين عليه. فدولة البلد هذا يكون لها اتساع من الوقت لاتخاذ الإجراءات الاستعجالية و تقويم ما يمكن تقويمه من اعوجاج قد يظهر على جاهزيتها. لهذا فمسؤوليته أكبر من مسؤولية بلد المنشأ في احتواء الجائحة و الحد من تفشيها.                               
 الخاصية الثانية تتمثل في كون الجائحة تخبط خبطة عشواء دون تمييز و دون تحيز. فهي تسقط على الأغلبية المتحكمة في دواليب الدولة الشرعية الديمقراطية إلى حين التحقق من "شرعيتها الجائحية" و تدفع بالأقلية إلى الترقب و تجنب التشويش على الأغلبية إلى حين تجاوز المحنة. في هذا الإطار تجد الدولة نفسها- ومن خلفها الأغلبية- وجها لوجه مع الواقع كما هو لا كما كانت تسوقه. ينكشف مستوى جاهزيتها و يتضح مدى استعدادها للتعامل مع الطارئ.
 هذا ما أظهرته جائحة فيروس كورونا المتجدد. فالدول الديمقراطية انقسمت الى مجموعات منها:                                                                                        
-      مجموعة دول غربية اتضح أن جاهزيتها تراجعت بشكل لم يكن منتظرا بعد أن كانت و إلى وقت قريب تتبجح بمنظوماتها الصحية و بقدراتها التي لا مثيل لها على مواجهة أي طارئ كيفما كان مصدره أو نوعه. يتعلق الأمر بدول غربية تعد من أعرق الديمقراطيات و من أقوى الاقتصاديات كالولايات المتحدة و فرنسا و ايطاليا و اسبانيا و بريطانيا العظمى.
-      مجموعة دول غربية أخرى منها ألمانيا، اختلف وضعها على وضع المجموعة الأولى حيث أبانت عن جاهزية أفضل و قدرة أحسن على التعامل مع الجائحة.  
-      مجموعة دول حديثة العهد بالديمقراطية فاجأت العالم بجاهزيتها ككوريا الجنوبية و سنغافورا و تايوان.      
 لهذه المجموعات قاسم مشترك يتجلى في  تبنيها لاقتصاد السوق في نسخته النيو ليبرالية الشيء الذي يدفع بنا الى  التساؤل عن سبب الاختلاف في الجاهزية. خلافا للمجموعتين الثانية و الثالثة  التي لم تنل الجائحة من فعالية أنظمتها الصحية بشكل كبير ، فالمجموعة الأولى تخلت بشكل غير مسبوق عن واجبها الاجتماعي و تنازلت عن دورها المجتمعي فاسحة المجال لليد الخفية لتغيث فسادا في القطاعات الاجتماعية و لتفكك كل المكتسبات التي ورثت عن عهد الدولة الرفاه، و قد تجلى هذا بشكل فضيع على مستوى الأنظمة الصحية. فلا الاتحاد الأوروبي استطاع تجنب الدول التي أصابتها الجائحة في مقتل، انهيار منظومتها الصحية و تصدع بنيتها التحتية إلى حد أنها لم تعد قادرة على استيعاب المصابين بالفيروس( ايطاليا و اسبانيا و فرنسا و قد تضاف إليهم بريطانيا العظمى) و لا الولايات المتحدة تمكنت من احتواء الجائحة و محاصرة الفيروس في  نيويورك التي تعتبر بؤرة الجائحة الرئيسة و بالأحرى في جميع الولايات.                                                                                    
قد يعود هذا الاختلاف إلى الكيفية التي استوعبت بها هذه الدول النيو ليبرالية التي جعلت من الفرد محور الاقتصاد و جوهر المجتمع. فالدول الغربية، رغم ما تدعيه من ديمقراطية و تقديس للحرية و تبجيل لحقوق الإنسان، فإنها تتعامل مع الفرد و قد جرد من إنسانيته ليتحول إلى إنسان اقتصادي أو آلي"[2] تستحوذ عليه أنانيته و تحركه المصلحة الشخصية  و تتحكم فيه النفعية في إطار يتميز بهيمنة اليد الخفية  و بتسليع شامل للمجتمع. هذا التوجه يعتبر الاجتماعي كلفة تحد من تنافسية المقاولة التي تسعى إلى تحسين إنتاجيتها و عبء على كاهل الدولة التي لا خيار لها غير الحفاظ على التوازنات الماكرواقتصادية تجنبا للفشل.                                                                                  
رغم هذا التقارب، فالمشترك لم يؤدي إلى التنميط  و إلى تطابق كامل للاقتصاديات الليبرالية، فكل اقتصاد له ما يميزه على الاقتصاديات الأخرى. فالاقتصاد الألماني مثلا يستمد خصوصيته من " الاقتصاد المنضبط"[3] و اقتصاديات شمال أوروبا لها نفحة اجتماعية عكس الاقتصاد الأمريكي أو البريطاني. يمكن القياس على هذا المنوال لفرز خصوصيات الاقتصاديات الأخرى سواء  الأوروبية اللاتينية منها أو الأسيوية. لهذا فالاختلاف هو اختلاف ثقافي بالدرجة الأولى. و لنا في  الصين ما يثبت صحة هذا الطرح. فالصين التي ينظر إليها الغرب كدولة شمولية لازالت تفوح منها رائحة الشيوعية أظهرت جاهزية غير مسبوقة، جاهزية لا يمكن فهمها و تفسيرها إلا بالعودة إلى ثقافتها. يكفي الإشارة هنا إلى الطريقة التي تعاملت بها الصين و دول أسيوية أخرى مع الجائحة باعتمادها الكمامة و تقنيات المعلومة و التواصل الجديدة  ليتضح البن الشاسع الذي يفصل ثقافيا آسيا عن أوروبا. فهذه الدول التجأت إلى هاتين الأداتين كحاجزين من الحواجز الصحية دون إحراج و دون أن يثير هذا اللجوء نقاشا فلسفيا و دون أن يؤدي إلى تضارب في المواقف كما حدث في أوروبا. ففي فرنسا مثلا،يعرف الفضاء العمومي من بين ما يعرف به بكونه فضاء يرتاده المواطن الحداثي بوجه سافر. و يعود هذا التعريف إلى ما جاء به فلاسفة الأنوار و ما انتهت إليه الثورة الفرنسية. لهذا ترددت فرنسا في مسايرة الدول الأسيوية بسن إجبارية استعمال الكمامة خاصة وأنها تمنع ولوج الفضاء العمومي بوجه محتجب لكونها تعتبر الوجه المغطى، وجها متحجرا خلافا للدول الأسيوية التي ترى في الكمامة ما يؤشر على الحداثة. هذا التباين الثقافي يظهر جليا كذلك في استعمال التقنيات الحديثة للمعلومة و التواصل في محاصرة الجائحة. فالتطبيقات التي تساعد على تتبع و تحديد الأمكنة التي يرتادها المصابون بفيروس كورونا لإنذار الأصحاء، لم تطرح أي إشكال بالنسبة للكوريين الجنوبيين و للصينيين بينما استقبلها الأوروبيون بكثير من التوجس و الريب لما قد يترتب عنها من تضييق للحريات الفردية.                                                                   
هناك دول أخرى كالمغرب و تونس، رغم جاهزيتها المحدودة  لانسياقهما لعقود مع طرح المؤسسات المالية الدولية و ما ترتب عنه من إفلاس يكاد يكون شاملا للقطاعات الاجتماعية كالتعليم و الصحة ،أبانت عن قدرة في تعويض عدم جاهزيتها على مستوى البنية التحتية الصحية و ما يرتبط بها من تجهيزات، بالتركيز على إدارة الجائحة بحنكة ومسؤولية و ذلك بفضل خصوصية كل منهما كدولتين ضاربتين في عمق التاريخ. و ما تدبيرهما للربيع العربي إلا مثالا على ما يتمتعان به نسبيا من ما يمكن تسميته ب"التحصين الثقافي". فجينات المغرب كدولة، خابرت ظواهر طبيعية و اجتماعية كادت أن تعصف بالبلاد وأن تقوض أركان السلطة. فالمغرب مر بفترات عصيبة حيث كانت تجرف المجاعة و الجوائح "كل عشر سنوات أو خمسة عشرة سنة بقسم هام من ثروته الحيوانية و البشرية بما فيها الأطر الإدارية  و العسكرية و الثقافية. لقد كانت القوى المنتجة ووسائل النقل تتعرض للتدمير، و كان الأمن يختل، و العلم يضمحل،بحيث إن البلاد بدل من أن تخطو إلى الأمام، كانت ترتد إلى الوراء"[4]، لكن رغم هذا "فالشعب المغربي تمكن من البقاء(...) ذلك أنه كان قد أدرك، على الرغم من ضعفه، ومنذ عهد الموحدين في القرن الثاني عشر، من التنظيم و التلاحم ظل محافظا عليه فيما بعد. و قد تجلى هذا بالخصوص، و بالنسبة للقرنين الثامن عشر و التاسع عشر، في الدور الذي كانت تقوم به الدولة في مجال التخفيف من وقع الجوائح"[5].أظهر محمد أمين البزاز(مؤلف كتاب "تاريخ الأوبئة و الجوائح في المغرب في القرنين الثامن عشر و التاسع عشر") "و بالأدلة القاطعة أن هذا الدور لم يتقلص إلا عندما أصيبت فيه الدولة المغربية بعجز تام، سواء في هذا المجال أو في المجالات الأخرى من جراء التكالب الاستعماري عليها". إن مواجهة الدولة المغربية لهذه المحن باستمرار و على فترات متقاربة جعلها أكثر احترازا و أكثر قدرة على الاستباق و ما عرف عنها من إتقان لعمليتي الالتفاف والاستقطاب.
2- التعرية و إدارة الجائحة
اختلف تدبير الجائحة من بلد إلى آخر بغض النظر عن الجاهزية من عدمها و عن قدرات كل بلد و طبيعة نظامه السياسي. فهناك دول اعتمدت في تعاملها مع المحنة مبدأ الحصانة الجماعية أو ما يعبرعليه ب "مناعة القطيع" ( هولندا و سويد) فاكتفت بإجراءات أقل تشددا مع  لجوء بعضها إلى تكثيف الفحص و تعميمه ككوريا الجنوبية. و هناك دول – و هي الأكثرية- فضلت الحجر الطبي الذي طبقته في البداية الصين باعتبارها مصدر الفيروس بينما لجأت دول  أخرى إلى المزج الى حد ما بين المنهجيتين كألمانيا. و الملاحظ أن دولا اختارت في البداية مبدأ "مناعة القطيع" قبل أن تتبنى الحجر الصحي. هذه الدول، و منها الولايات المتحدة و بريطانيا العظمى، أبانت عن تدبدب في إدارتها للمحنة الشيء الذي جعل أوضاعها تتفاقم.                                                                            
كيفما كانت الطريقة المتبعة فالتعرية التي نحن بصددها تستوجب الانكباب على مجموعة من العناصر لتوصيفها، منها:                                                                       
أ- تعامل الدولة مع مبدأ الاحتراز و مدى قدرتها على الاستباقية و التجاوب مع أهل الاختصاص;                                                                              
2- الحسم في الاختيار بين الإبقاء على الحالة العادية مع اتخاذ إجراءات غير مشددة مراعاة للمصالح الاقتصادية  أو الإعلان على حالة الطوارئ بتكريس المصلحة العامة و التركيز على حفظ النفس لأن بدون حفظها لا يحفظ العقل و لا المال و لا الدين و لا العرض;        
3- التدبير على أرض الواقع لحالة الطوارئ عبر تدخل مختلف السلطات الأمنية و العسكرية و القضائية و التشريعية و مدى قدرتها على بلورة الإجراءات المتخذة في الملموس واستعدادها للتفاعل مع المواطنين بالطريقة التي تساعد على التصدي للمرض للحد من انتشاره;                                                                                
4-  توفير كل الحاجيات القمينة بمحاصرة المرض من بنية تحتية صحية استعجالية و أطقم طبية و مستلزمات طبية.                                                                 
5- تماسك الجبهة الداخلية و انضباط المجتمع.                                               
6- الأخذ بعين الاعتبار التداعيات الاقتصادية و الاجتماعية للجائحة.                    
يصعب تطبيق هذه المؤشرات في الوقت الراهن و الجائحة لازالت قائمة. لكن هذا لا يمنع من إبداء بعض الملاحظات:                                                               
أولها، أن بعض الدول من التي لها من المؤهلات ما ليس لغيرها تأخرت في التحرك لمجابهة كوفد19، الشيء الذي سيجعلها موضوع مساءلة بعد تجاوز المحنة، خلافا لدول أبانت عن قدرة استباقية لا يمكن إلا تثمينها. من هذه الدول ، أقطار تحسب على البلدان المتخلفة و تحتل مراتب متأخرة على مستوى التنمية البشرية،                                         
ثانيها، التلكؤ في الحسم في الاستراتجية التي يستلزم إتباعها حيث انتقلت بعض الدول من استراتجية إلى أخرى كما أشرنا إليه أعلاه مع ما لهذا الانتقال من تداعيات على تفشي الفيروس. و قد يعود هذا التلكؤ إلى شخصية القيادة.                                      
ثالثها، ضعف التضامن مابين الدول بما فيها تلك التي تشكل تكتلات كتكتل الاتحاد الأوروبي. فإذا استثنينا بعض الدول التي كانت تحسب على المعسكر الشرقي ( الصين و روسيا و كوبا) و التي هبت لمساعدة ايطاليا، فالاتحاد الأوروبي نفسه و الدول المكونة له اتخدت موقف المتفرج من الحالة الايطالية. صحيح أن ألمانيا تحركت لكن تحركها جاء متأخرا.     تجدر الإشارة إلى أن الجائحة ليست أزمة في حد ذاتها بل إنها محنة و صدمة في نفس الوقت. فهي محنة لكونها  تكشف على الأزمة الضمنية أو الصامتة عبر  عدم القدرة على  محاصرة المرض قبل أن يتحول إلى جائحة. في هذا الصدد، أبرزت هذه الظاهرة أزمة الدولة الوطنية التي تخلت عن دورها تحت ضغط الراسميل المالي بحجة أن تدخلاتها تشوش على السوق. تخاذل الدولة هذا انعكس بالدرجة الأولى على القطاعات الاجتماعية من صحة و تعليم حيث ينظر إليها بمنظار صندوق النقد الدولي كقطاعات مكلفة. فالأزمة الصحية المتداولة سابقة للجائحة. ما حدث هو أن الذين كانوا يرون في التخلي عن المستشفى العمومي ضرورة ملحة لترشيد نفقات الدولة، هالهم ما تسببوا فيه فأعادوا النظر في تمثلاتهم و في الأيديولوجية التي ارتكزت عليها سياستهم. أصبحوا يراهنون على الدولة فأسقطوا من حساباتهم ميثاق الاستقرار المرتبط بعجز الميزانية وبمستوى المديونية و لم يستبعدوا اللجوء الى التأميم إذا اقتضى الحال. لكن هذا لا يعني أنهم تنكروا لفكرهم فلقد حدث أن كان لهم نفس السلوك خلال الأزمة الاقتصادية ل 2008 . لهذا لابد من التريث فما بعد الجائحة قد لا يختلف كثيرا عن ما قبلها،                                                                         
و الجائحة صدمة نتيجة  الإجراءات الظرفية المتخذة لمحاربتها و التي لها انعكاسات سلبية مباشرة اقتصاديا و اجتماعيا لكنها انعكاسات بالإمكان تحملها عكس تلك التي تفرزها الحروب المدمرة. فخلافا للحرب التي تؤدي إلى الخراب و إتلاف أداة الإنتاج و تشريد السكان و ما يصاحبه من ندرة المواد العدائية و تدهور للقوة الشرائية ، الجائحة تقتصر على تعطيل عجلة الاقتصاد جزئيا أو بالكامل لفترة دون إتلافها و تفرض الحجر الصحي دون تشريد للسكان و لا تتسبب في ندرة المواد الغذائية و تؤثر نسبيا على القوة الشرائية نتيجة انحصار العمل.                                                                            
2- فك العقدة                                      
    نعني بالعقدة كل ظاهرة اجتماعية كانت أو طبيعية لا يمكن فكها اعتمادا على ما هو ذاتي لسبب من الأسباب(ضعف القدرات، ومحدودية الرؤيا وتضارب المصالح...). من هذه الظواهر نجد  الأزمة الاقتصادية التي يتعذر تجاوزها و  الانتقال من عهد إلى آخر الذي يستعصى تحقيقه و الخلل الايكولوجي الذي يصعب تصحيحه. فالعقدة التي لا تفيد في فكها المتغيرات الداخلية كالتناقضات الاجتماعية بالنسبة للظاهرة الاجتماعية و العوامل الجيواستراتيجية في ما يخص الظاهرة الايكولوجية، يصبح حلها رهين بالمتغيرات الخارجية التي يغلب عليها الطابع اللاإرادي.                                                         
إن الفك لا يأتي بالانفراج بمعنى التقدم إلا إذا كانت الأوضاع ناضجة و كان المجتمع مستعدا للارتقاء بذاته . فما بعد الظاهرة ( جائحة كانت أو أزمة) قد يتميز بتصلب ما كان قائما قبل حدوثها. كمثال على ذلك جائحة الطاعون الأسود و الأزمة الاقتصادية 2008 و الربيع العربي.                                                                                      
في أوروبا الغربية التي كانت أكثر استعدادا لاستيعاب التقدم رغم صعوبة تحقيقه، أدى الطاعون الأسود ( 1315 و 1317) ، إلى إضعاف نمط الإنتاج الإقطاعي وبروز اليد العاملة الأجيرة التي شكلت إحدى اللبنات الأولى في بناء صرح المنظومة الرأسمالية; فهلاك ما لا يقل على ثلث السكان قلص قوة العمل و حد من سلطة الإقطاع حيث اضطر الأسياد إلى استمالة اليد العاملة المتوفرة بتمكينها من أجر يحفظ لها حريتها.  لم يقع هذا التطور بسهولة و لم يتحقق لكون هناك بالضرورة  ما قبل و ما بعد الجائحة. ففي انجلترا مثلا، انتفض الفلاحون في 1381 بعد أن حاولت الدولة معاكسة تطور المؤسسات و التصدي لارتفاع الأجور. و في أوروبا الشرقية التي كانت حالتها مشابهة لحالة أوروبا الغربية سواء على المستوى الديمغرافي أو على مستوى القوى الاقتصادية و الاجتماعية. تناثرت اليد العاملة و لم يتوقف الشعب بالمطالبة بحرية أكثر، لكن رغم هذا فأوروبا الشرقية عرفت  دينامية معكوسة حيث استطاع الأسياد الإبقاء على استغلال الفلاحين كأقنان. كان هذا الاستغلال أشد و أقوى منه في بداية القروسطى.[6]
فيما يخص المغرب الذي عرف هو الآخر الطاعون الأسود، " كانت المجاعات و الأوبئة تكبح مقومات نموه، كان تأخره الاقتصادي و الاجتماعي يجعل و في كل مرة، عمل هذه الكوارث ميسورا. تتجلى هذه الظاهرة بوضوح من خلال المقاربة التالية: في أوروبا، مكن التقدم العلمي تدريجيا من فهم آلية الأوبئة، و بالتالي من تطوير وسائل الوقاية.أما في المغرب،فكان الفكر العلمي راسخا في التقاليد، و كان العلماء، كما أوضح محمد أمين البزاز (في كتابه "تاريخ الأوبئة و الجوائح في المغرب في القرنين الثامن عشر و التاسع عشر") ينكرون حقيقة العدوى، بل و يطعنون في مشروعية الوقاية"[7].                                            
بالنسبة للأزمة الاقتصادية 2008 لم تنفرج بل يمكن القول بأنها لازالت قائمة و إن اختفت تمظهراتها الأولية نتيجة إصرار الراسميل المالي على عدم التنازل و لو قيد أنملة على مصالحه ورفضه المساس بدار لقمان. هذا الإصرار زاد الوضع تفاقما حيث استفحلت اللامساواة بشكل مقلق (انظر كتابات ستيكليز و بيكيتي و آخرين)و تعمقت الفوارق الاجتماعية و المجالية و عمت الهشاشة إلى حد لا يطاق و تحولت الدولة الى كركوز بعد أن تقلصت سيادتها و لم تعد مؤسساتها مصدر ثقة و منبع طمأنينة و أصبحت الديمقراطية في وضع يثير الكثير من المخاوف بالنظر لنسبة العزوف و نوعية القادة الذين يتربعون على كراسي الحكم في أعرق الديمقراطيات كالولايات المتحدة و بريطانيا العظمى و تصاعد اليمين المتطرف الذي وجد فيها - كما وجدت فيها من قبل النازية و الفاشية- ضالتها للوصول للحكم.                                              
المثال الثالث المتمثل في الربيع العربي الذي يبين بأن الظواهر التي يمكن أن تشكل قطيعة مع الماضي و تفتح آفاقا جديدة تفضي إلى إعادة هيكلة ما كان قائما، قد تصطدم بعدم جاهزية المجتمع للركوب عليها و توظيفها التوظيف الأمثل لتسريع مسلسل التقدم. صحيح أنه لا يمكن الحكم نهائيا على الربيع العربي و الادعاء، كما يفعل الكثيرون، بأنه تحول إلى خريف عربي لأن ثمار الثورة قد لا تظهر إلا بعد مدة غير قصيرة (الثورة الفرنسية)، لكن هذا لا يمنع من التأكيد على أن المنطقة العربية ما بعد الربيع العربي ليست على أحسن حال عما كانت عليه قبل هذا الربيع.                                                                 
إذن ، المحنة قد تفك العقدة و قد تعقدها. فالطاعون الأسود -كما أشرنا إليه أعلاه- فك عقدة أوروبا الغربية لكنه عقدها بالنسبة لأوروبا الشرقية و للمغرب. يبقى أن نتساءل عن مدى مطابقة هذه الخلاصة مع ما عرفته و تعرفه الرأسمالية من عقد.                     
 قبل الإجابة على هذا السؤال ، لابد من الإشارة الى أن نمط الإنتاج الرأسمالي  يعتمد منطق الهدم- البناء أو التفكيك - إعادة التركيب، فالإنتاج يفترض الاستهلاك و الاستثمار يفترض الاستخماد و الفائدة يقابلها التضخم.هذا المنطق الذي يعد الأصل في دينامية الاقتصاد أدى إلى  إنتاجوية مفرطة و ما يرتبط بها من منحى انخفاضي للربح و من عقد تختلف درجة تعقدها من عقدة الى أخرى. هذا المنطق ناتج عن كون الرأسمالية عنيفة في حد ذاتها شأنها في ذلك شأن الفيودالية والعبودية مع فرق جوهري. ذلك أن عنفها الداخلي( بالمركز) هو ليس عنفها الخارجي(بالمحيط) لطبيعتها الامبريالية. فداخليا تعتمد الرأسمالية عنفا ناعما تحت يافطة التنافسية و في إطار القانون و المعايير المعمول بها مجتمعيا. فالإفلاس و البطالة و الهشاشة  و اللامساواة و ما يترتب عليها من غبن و حرمان، كلها أشكال من أشكال العنف الناعم. أما خارجيا ، فهي تلجأ الى عنف قاس لا مشروعية له غير مشروعية قانون الغاب. ساعدها  هذا العنف على تجنب الكثير  من العقد التي كان بالإمكان أن تقوض صرحها و هي لازالت في بدايتها. و نذكر هنا على سبيل المثال لا الحصر، تعاطيها للتجارة المثلثية للرقيق التي ذهب ضحيتها أكثر من عشرين مليون من شباب إفريقيا و حملتها الاستعمارية التي أوقفت التطور الطبيعي للبلدان المستعمرة و نهبت خيراتها و استغلت أسواقها و ما اقترفته من إبادات خاصة في أمريكا الشمالية و أستراليا و استبدال للساكنة الأصلية بساكنة شتات الشيء الذي خفف من الضغط الديمغرافي بداخل المنظومة (المركز).                                                         
 شكل هذا التمييز بين العنف الداخلي و العنف الخارجي القاعدة، لكن هذا لا يعني بأن المركز كان بمنأى عن العنف القاسي. و الاستثناء و إن كان في الثقافة العربية لا حكم له فهو تأكيد للقاعدة بالنسبة للثقافة الفرنسية. فأمام عقدة 1929 ( الأزمة)، وجدت الرأسمالية نفسها في مأزق قد يلقي بها إلى التهلكة. داخليا لم يكفي الرأسمالية ما حشدت من طاقات و ما حشرت من إمكانات لفك هذه العقدة، وخارجيا استنفذت كل ما كان بإمكانها القيام به بعد أن أصبحت الشمس لا تغيب عن أراضيها. أمام هذا الوضع كان عليها أن تأكل بثدييها.فبعد ما يفوق من عشر سنوات بقليل،  وجدت العقدة الطريق إلى الحل عبر النعرة القومية حيث اندلعت حرب دروس لم تبق و لم تدر. فمن 1939 الى حدود 1945 أتت الحرب العالمية الثانية على الأخضر و اليابس، أزهقت الأرواح بالملايين و خربت الأمصار، و عندما وضعت أوزارها استعادت الرأسمالية عافيتها لتعيش أوروبا الغربية ثلاثين سنة سمان بعد أن أدت ثمنا باهظا مقابل الانفراج، فمن جهة لم تستطع الحيلولة دون ترحال الراسميل الصناعي نحو أمريكا الشمالية و لم تتمكن من الحفاظ على موقعها كرأس حربة الامبريالية حيث تخلت عن الزعامة لصالح الولايات المتحدة و من جهة أخرى،أصبحت مهددة في نظامها بنظام السفيات حيث أصبح الاتحاد السفياتي يمثل بالنسبة لها سيف ديموقليس.                                                                                  
 فالحرب كمحنة إذن فكت عقدة 1929. ماذا عن عقدة 2008؟ عاكس الراسميل المالي حلها من الداخل و إن كانت جهود الدولة الغربية أتت أكلها بإزالة ظواهرها و محاصرة تداعياتها على النظام المالي و البنكي بالخصوص دون أن تتمكن من فكها. فبعد أكثر بقليل من عشر سنوات من اندلاعها –كما كان الشأن بالنسبة لعقدة 1929- أصيب العالم بمحنة كوفيد19. هل هذه المحنة ستقوم مقام محنة الحرب كما حدث منذ ثمانين سنة خلت؟ قد تكون كذلك لأنها الأكثر واقعية  لأسباب موضوعية منها:                                  
 أ) حرب عالمية بالمفهوم القديم غير واردة، فقوة الردع المتمثلة في أسلحة الدمار الشامل لم تعد حكرا على فريق دون آخر كما حدث في الحرب العالمية الثانية. فالولايات المتحدة و الصين و روسيا و دول من أوروبا الغربية، إضافة إلى إسرائيل و الهند و الباكستان،تمتلك القنبلة الذرية. كما أن السلاح الكيماوي أصبح في متناول كل الدول.                         ب) حرب سيبرانية شاملة و إن كان احتمال وقوعها وارد، فإن تحقيقها يظل مستبعدا في المنظور القريب لأن الدول المتبارية متساوية إلى حد كبير في التعامل مع تقنياتها، فأي حرب من هذا النوع في الوضع الحالي لن تفضي إلى غالب و مغلوب و لكن الخاسر فيها ستكون البشرية برمتها.                                                                              
د) الإبقاء على الوضع الحالي غير ممكن. فخلافا لسنوات الثلاثينيات من القرن الماضي، تتميز المرحلة الحالية بعقدة مركبة من ثلاث أزمات متداخلة فيما بينها: أزمة اقتصادية طال أمدها، و أزمة انتقال من المجتمع الصناعي إلى المجتمع ما بعد الصناعي أو مجتمع المعرفة نتيجة مقاومة القديم و محاصرته للجديد في غياب قوة قادرة على التصدي للقوى المحافظة الممثلة في الراسميل المالي، و أزمة إيكولوجية غير مسبوقة تعذر على المنظومة الدولية معالجتها بالكيفية التي كان من المفروض أن تعالج بها.
ج) حضارة غربية في وضعية أقل ما يقال عنها أنها حرجة. ففي الثلاثينيات من القرن الماضي، كانت الحضارة الغربية في وضعية مريحة و في مرحلة تصاعدية. كانت ما تعرفه من صراع، هو صراع داخلي على القيادة حسمه حل العقدة بانتقال هذه القيادة من أوروبا، بزعامة بريطانيا العظمى، إلى أمريكا الشمالية حيث أصبحت الريادة من نصيب الولايات المتحدة. يمكن القول بأن عقدة 1929 أفضت إلى ضخ دماء جديدة في الحضارة الغربية و إلى تطعيمها بثقافة تشكلت داخل مجتمع شتات في ظرف وجيز خلافا للثقافة الأوروبية الضاربة في أعماق التاريخ. حاليا، الحضارة الغربية  فقدت الكثير من توهجها إلى حد أن البعض يعتبر أنها في بداية خريفها. لأول مرة ستفقد الحضارة الغربية احتكارها للراسميل الصناعي لينافسها المحيط فيي احتضانه و العناية به و توفير شروط تطويره.كما أن زمام التكنولوجيا سيفلت من يدها وبالتالي سينازعها الشرق مركزيتها الغربية. لا يتعلق الأمر بصدام حضارات و لكن بأفول حضارة استمدت مقوماتها من الثقافة الغربية، ثقافة لم تعد تغري كما كان في السابق و لم يعد ينظر إليها كمدخل للحداثة.                                                
في المجمل، الحضارة الغربية اليوم لم تعد تمثل الأفق رغم ما روج من كونها الحضارة التي انتهى عندها التاريخ، فالمأزق التي توجد فيه و الذي يتجلى في الأزمة المركبة غير المسبوقة التي تجثم على صدرها تفرض عليها البحث عن مخرج للرفع من أمل حياتها أو بالأحرى للحد من وثيرة اندحارها. فكل تلكؤ في معالجة الأزمة المركبة قد تكون له عواقب وخيمة و قد تؤدي تداعياته إلى الرفع من هذه الوثيرة.                                                                       
لهذه الأسباب، المحنة الحالية فرصة لإحداث قطيعة مع الماضي لكن هذا لا يعني أن الفرصة هاته ستستغل بالشكل الذي يجعل ما بعد الجائحة مختلفا تماما عن ما قبلها، فالتاريخ  ليس بدالة خطية و التفكيك- إعادة البناء يتطلب الوقت. زيادة على هذا، وضع الأقطار يختلف من قطر لآخر. في هذا الصدد، يمكن تقسيم العالم إلى أربع كتل[8]: كتلة الدول المصنعة المشكلة من الدول الغربية بالإضافة إلى اليابان و كوريا الجنوبية; كتلة الدول التي في طريق التصنيع و تتضمن مجموعة الأقطار التي جعلت من التصنيع[9]  أولوية الأولويات كالصين و التي تستفيد من إعادة التوطين التصنيعي; كتلة الدول المتخلفة من الجيل الثاني كالمغرب و التي تتضمن الدول التي تعمل جاهدة للاستفادة من إعادة التوطين المناولتي و التي انفتحت على تقنيات التواصل الجديدة كمستهلك. و أخيرا ، كتلة الدول المتخلفة من الجيل الأول كالصومال مثلا.
ما هو محتمل بدرجة قد تلامس اليقين يهم من جهة الرأسمالية و من جهة أخرى النظام الدولي.فيما يتعلق بالرأسمالية، مخطئ من يعتقد أنها ستستسلم هكذا لتعيش دون صمود ما عاشته الإقطاعية بعد اجتياح الطاعون الأسود أوروبا و ذلك لسببين أساسيين: أ)  قدرتها على التكيف و الالتفاف على ما أفرزته الجائحة من دروس خاصة تلك المرتبطة بما سماه البعض ب"اقتصاد الحياة" (أو ما يمكن أن نعبر عنه بالصناعة الصحية) من أجل " التدمير الإبداعي" أو "الهدم الخلاق" الذي يروم تطعيم الدينامية الاقتصادية. ب) غياب قوة مجتمعية صاعدة حاملة لمنظومة بديلة، فاشتراكية السوق التي تدعو لها الصين مجرد شعار في الوقت الراهن، ذلك إن معالم هذا البديل غامضة و ملامحه لازالت تغلب عليها "السوق"أكثر من الاشتراكية.                                                               
أما  النظام الدولي فانه سيتجه نحو نظام متعدد الأقطاب يكون فيها للقوى الجهوية دورا أساسيا. في هذا الإطار، سيستمر تراجع أوروبا و سيضعف نفوذها أكثر نتيجة ضعف أداء الاتحاد الأوروبي خلال الجائحة و تصاعد الأصوات من داخله لتفكيكه من جهة، و تلاشي التحالف الذي كان يجمعها بالولايات المتحدة من جهة أخرى، و ما الحرب التجارية التي اندلعت بينهما و البركسيت إلا مؤشر على ما قد يحدث غدا من فك الارتباط بينهما . الولايات المتحدة نفسها، لن تكون في أحسن حال، فالعوامل التي ساعدتها على الحفاظ على موقعها،ونعني بها البحث العلمي و الترسانة العسكرية و الدولار كعملة عالمية،سيتراجع مفعولها أكثر فأكثر نتيجة المنافسة الشرسة لها على مستوى البحث العلمي من طرف دول صاعدة كالصين و عدم قدرة ترسانتها على الردع و فرض سيطرتها على العالم كما كان الشأن من قبل و ارتفاع أصوات لها وزنها مطالبة بكسر هيمنة الدولار على التبادلات التجارية العالمية. لهذه الأسباب و لأسباب أخرى يضيق المجال لعدها ستنزلق الولايات المتحدة تدريجيا نحو الانعزالية و ستتشبث ب"أمريكا أولا". يبقى أن نشير الى أن الدول التي ستستفيد من النظام العالمي ما بعد كورونا هي الدول الصاعدة كالصين بالدرجة الأولى و روسيا الاتحادية بدرجة أقل.                                                               
 أما على المستوى الداخلي أو الوطني ما بعد المحنة، هناك ثلاث سيناريوهات: أ) سيناريو أقصى يثبت فيه مجتمع المعرفة و تكرس فيه محورية الإنسان حيث تبنى السياسة العمومية بالمواطن و من أجل المواطن و يوضع حد لاستغلال الإنسان لأخيه الإنسان مع إقرار التعاون بين الدول لا يحيد عنه إلا هالك و التعاضد بين المجتمعات في احترام تام للتنوع بكل أشكاله الثقافي و العرقي...الخ. هذا السيناريو بعيد المنال لطبيعته الطوباوية حيث يحيلنا على "المدينة الفاضلة" و المجتمع الشيوعي. لهذا فمن المستبعد تحقيقه بعد انفراج المحنة.     
 ب) سيناريو أدنى يقتصر فيه على بعض الترميمات لجبر الخواطر و إسكات الأصوات المطالبة بالتغيير. يعتمد في هذا السيناريو على الخطاب أكثر منه على الفعل. حظوظ تحقيق هذا السيناريو غير منعدمة و إن كان من المستبعد أن يشكل التوجه العام. فقد تكتفي دول
بهذا الحد الأدنى لطي صفحة كورونا كما طوت من قبل صفحة أزمة 2008 و صفحة الأزمة الايكولوجية.
ج) سيناريو البرزخ و هو الذي سنتوقف عنده لما له من حظوظ وافرة للتحقيق، على أساس التميز بين كتل الدول المشار إليها أعلاه.
إذا كانت حظوظ كتلة الدول المتخلفة من الجيل الأول منعدمة – إلا إذا حدثت معجزة- في القطع مع الماضي بسبب وضعها المتردي و حالة مجتمعها المزرية، فإن حظوظ الكتل الأخرى قد تكبر و قد تقل حسب كل كتلة. فالدول التي في طريق التصنيع ستعمل على تكريس مكاسب ما قبل الجائحة مع تفاوت فيما بينها، فالصين مثلا ستستفيد مما حققته من تجلية في تعاملها مع الجائحة و ما أنجزته على المستوى الجيوستراتيجي لتسريع ما  سطرته من أهداف في أفق 2050.  أما الدول المصنعة، فيمكن تقسيمها إلى قسمين، قسم، من بين مكوناته  ألمانيا و كوريا الجنوبية، سيرى فيما قام به تأكيد على صحة توجهاته و وجاهة اختياراته ليكتفي بالتالي بتعديلات محدودة. أما القسم الثاني و الذي يشمل أساسا دول جنوب أوروبا، فسيكون عليه تغطية عجزه الصحي بالخصوص بالقبول بحضور أكبر للدولة و بجنوح أكثر لتبني أفكار تتقاسمها إلى حد كبير المعارضة بشقيها اليساري و اليميني و التي تخص مجموعة من الإشكالات منها على سبيل المثال لا الحصر، هامش السيادة الوطنية بارتباط بمستقبل الاتحاد الأوروبي و العلاقة مابين التوازنات الماكرواقتصادية و التوازنات الاجتماعية و ترتيب الأولويات الاقتصادية بالخصوص مع تحديد ما هو استراتيجي. بصفة عامة، سقف ما ستقبل به الدول الغربية من إصلاحات و تغييرات سيكون دون السقف  الذي من شأنه فك أزمتها الحضارية بل و ربما أقل من السقف الذي ستطالب به دول جنوب أوروبا في إطار الاتحاد الأوروبي.                                                  
فيما يخص كتلة الدول المتخلفة من الجيل الثاني فستختلف الدروس التي ستستخلصها من المحنة الحالية من قطر الى آخر. فدول الخليج العربي مثلا ستوجه اهتمامها أكثر إلى تقليص تبعية اقتصادياتها للمحروقات . أما دول شمال إفريقيا، فيمكن تصنيفها إلى فئتين: فئة الدول ذات النظام العسكري ( الجزائر و مصر) و فئة الدول ذات النظام المدني (المغرب و تونس بالإضافة إلى موريتانيا). استثنينا من هذا التقسيم ليبيا بسبب وضعها الشاذ، وضع قد يستمر ما بعد الجائحة قبل أن يتغير ليشرع في بناء الدولة الليبية على أسس جديدة.   
إن تجربة الربيع العربي تجعلنا متشائلين و تفرض علينا أن نجمع ما بين تشاؤم الفكر و تفاؤل الفعل. فالتغيير لن يأتي من العسكر لأنه سيمس حتما بمصالحه. فالجيش المصري يراقب أكثر من 40 في المائة من اقتصاد البلاد و ميزانيته تجعل منه دولة داخل الدولة. كما أن الجيش الجزائري لن يقبل بالالتحاق بثكناته على منوال الجيش التونسي، لأنه ببساطة هو الذي خلق الدولة الجزائرية و جعلها على مقاسه ليتحكم في ريع المحروقات. لهذا من المستبعد أن تقوم هاتان الدولتان بتغييرات ذات  معنى و بالأحرى بتغييرات ذات طابع هيكلي اللهم إلا إذا ظهر هناك بجع أسود (ما هو غير متوقع)[10] أو لامست العوامل الضاغطة العتبة الحرجة و اقتنع النظامان بالتحرك حتى لا تنفلت الأمور من أيديهما. تثمل هذه العوامل بالأساس في حيوية الحراك و في ثمن برميل المحروقات بالخصوص بالنسبة للجزائر و في الثقل الديمغرافي و الضغط الخارجي أساسا بالنسبة لمصر.                                               
فيما يتعلق بالفئة الثانية، لابد في البداية من الإشارة إلى خصوصية كل من النظامين التونسي و المغربي. فإذا كان النظام  التونسي يعطي للحكومة من الصلاحيات ما لايعطيها لرئيس الجمهورية، حيث يجعل منها رأس حربة الدولة، فإن النظام المغربي خلافا لذلك يحصر الحكومة في زاوية التنفيذ و هذا ما أظهرته الجائحة بوضوح حيث أنها قامت بقراءة لا تقبل الطعن لنص الدستور. إن الحكومة بأحزابها عون من أعوان الدولة لا تملك زمام المبادرة. بهذه الصفة، فهي مطالبة بالفعالية في التنفيذ و بالإبداع في الأداء.                
إن الطريقة التي تدار بها هذه  الجائحة في القطرين التونسي و المغربي، ستدعم أكثر موقع الدولة و ستكرس مشروعيتها بالتفاف الشارع حولها. هذا الدعم و هذه المشروعية سيجعلها في وضع غير الوضع ما قبل الجائحة،  ذلك أن ما أظهرته من قدرة في إدارة المحنة، أشاد بها  الجميع و ثمنها القاصي قبل الداني، سيجعلها مطالبة بأن تعيد الكرة على مستوى تدبير الشأن العام. في هذا الصدد، ما بعد الجائحة في المغرب بالخصوص سيحدد الى حد كبير بمضمون الجواب على السؤال التالي: كيف لدولة أظهرت علو كعبها في معالجة ملفات حساسة كملفات هيأة الإنصاف و المصالحة و الإرهاب و مدونة الأسرة و الهجرة وأبانت على قدرات شرفت البلد في إدارة الأزمات كتلك الناتجة على الربيع العربي و كهاته المرتبطة بجائحة كورونا، أن تتواضع في التعاطي مع الملف الاقتصادي و الاجتماعي و أن تظهر قصورا في الدفع بالاقتصاد إلى الإقلاع؟
كمساهمة في صياغة جواب موضوعي على هذا السؤال، نشير الى أن القاسم المشترك بين تدبير الملفات الحساسة و إدارة الأزمات يكمن في إعمال مبدأ "ماحك جلدك مثل ظفرك" خلافا للملف الاقتصادي و الاجتماعي الذي دبر في إطار المناولة بالاعتماد على الخبرة الخارجية; فالمغرب فضل معالجة هذا الملف في إطار العلاقة التي تجمعه بالمؤسسات المالية الدولية خاصة صندوق النقد الدولي منها.                                                  
من المفروض أن يستخلص هذا الصندوق الدروس من جائحة كورونا و يراجع نفسه ليس بالشكل الذي راجعها به عندما وقف عند ما أحدثه البرنامج التقويمي من كوارث خاصة على مستوى القطاعات الاجتماعي و التي تفسر الوضع الذي وجد عليه القطاع الصحي عند حدوث الجائحة، فيتخلى عن تدخله السافر في توجيه الاقتصاديات المماثلة للاقتصاد المغربي تحت يافطة التوصيات ليكتفي بالمواكبة و الاقتصار على دوره كمؤسسة تمويلية. ماذا لو يقتصر على تنميق خطابه كما فعل بعد الربيع العربي لدغدغة مشاعر المعارضة بإسقاطها في فخه و الدفع بها إلى مسايرته في ما يرمي إليه من خلال إلقاء اللوم على زبائنه( الدول) بتحميلهم مسؤولية تعثر ما يوصي به لعدم فعاليتهم و ضعف انضباطهم و ترددهم في تعميق الإصلاحات التي ينصح بها؟في هذه الحالة ستكتفي الدولة بترميمات و تعديلات بإظهار بعض الاهتمام بالقطاعات الاجتماعية خاصة منها القطاع الصحي و تسريع إخراج السجل الوطني لإطلاق عملية الاستهداف. هذه الفرضية ستوقف الدينامية المجتمعية التي أفرزتها الجائحة و التي يعود الفضل في إطلاقها للدولة و ستعيد المغرب إلى ما قبل كورونا مع اختلاف من الأهمية بمكان و هو أن الدولة لن يكون في إمكانها جعل الحكومة مشجبا لتحميلها مسؤولية فشلها و قد تضطر إلى توظيف القوة التي استمدتها من ما ربحته من مصداقية في إدارتها للجائحة و ما استرجعته من ثقة، للتضييق على الحريات.             
 هذا السيناريو الذي لن يخدم مصلحة الدولة نفسها و الذي يمليه تشاؤم الفكر، له ما يقابله كسيناريو يمليه تفاؤل الفعل. فالدولة التي سارعت إلى إنقاذ شعبها و التي جعلت المواطن في كف و الاقتصاد في كف; والدولة التي أثبتت أنها دولة سيادة فتفوقت على الذين كانوا إلى الأمس القريب يستهزئون بقدرات إفريقيا و لا يتورعون في إعطائها الدروس، هذه الدولة التي جعلت المغرب يتصالح مع ذاته و دفعت بالمجتمع إلى تقوية تلاحمه ودعم تماسكه، هذه الدولة التي جعل إدارتها للمحنة يفجر الطاقات و يحرر المخيال الجمعي، ليست بغبية لهذه الدرجة فترمي رجلها برصاصة، كما يقول المثل الفرنسي. من الأرجح أن لا تفرط في ما أطلقته من دينامية; و من غير المستبعد أن تنكب على إعادة ترتيب أولوياتها إنزال المواطن منزلته الطبيعية التي سلبته منها التوازنات الماكرواقتصادية ذات الطابع  المحاسبتي، وأن تحرص على تقوية سيادتها بتقوية قدراتها على التفاوض مع شركائها من دول و مؤسسات دولية من خلال رص صفوف الجبهة الداخلية بإقرار سمو القانون و الالتزام بحقوق الإنسان التزام المواطن بالنهوض بواجباته إزاء الدولة و إزاء المجتمع. في هذه الحالة التي تفرض على الجميع الانخراط في بناء مجتمع جديد، سيكون على اللجنة الخاصة بالنموذج الجديد أن تشفر رموز الجائحة و تترجم ما أفرزته عبر الإجراءات المتخذة من توجهات كإعلان عن نهاية هيمنة اليد الخفية و كتأبين لتسلط السوق. في هذا الإطار أدعو القارئ إلى الاطلاع على:                                   
أ) كتاباتي التي تندرج في هذا السيناريو خاصة منها مؤلفاتي التالية:                        
-" الاقتصاد المغربي: السياق العام و الوضعية و الآفاق"- منشورات حنظلة-  2015
- ما المثقف؟ أو المثقف و ساندروم الوصاية- منشورات حنظلة- 2017               
-Modèles de développement et expérience marocaine- pour que renaisse le phénix- Collection : Cahiers du CERAB- Edition Handala ;
ب) إصدارات مركز الدراسات والأبحاث عزيز بلال و منها على سبيل المثال لا الحصر:
-La banque mondiale et le syndrome de la tutelle: cas du Maroc ;
- L’Afrique un continent en devenir.
6 من شهر الحجر الصحي من عام كورونا الموافق ل 26 ابريل 2020





[1] الجمعة 3 ابريل 2020Le MONDE راجع جريدة   -
[2] Homoeconomicus
[3] L’ordo- libéralisme 
[4] انظر تقديم  جرمان عيلش لكتاب : "تاريخ الأوبئة و المجاعات في المغرب في القرنين الثامن عشر و التاسع عش" -
محمد أمين البزاز- منشورات كلية الآداب- جامعة محمد الخامس- ص8                                                   
[5] نفس المصدر- ص 9
[6] Cf. Daron Acemoglu et James A. Robinson in « la faillite des nations »- Edition Nouveaux horizons- pp136 et 137.
[7]  جرمان عياش- نفس المصدر
[8]  راجع Mohammed CHIGUER in: «  La crise de 2008: pour qui sonne le glas ? »- Edition l’Harmattan.
[9]  التصنيع يعني مسلسل من ثلاث محطات : محطة المدرسة- فلا تصنيع بدون مدرسة عمومية جيدة- و محطة البحث العلمي ثم محطة الصناعة التي يوكل إليها تحويل  الاختراعات إلى ابتكارات.
[10]Les belles lettres  انظر نسيم  نيكولا طالب : " البجع الأسود"- منشورات

Libellés :

Enregistrer un commentaire

[blogger][facebook][disqus]

Cress Revue

{picture#http://store4.up-00.com/2017-07/149982714684611.jpg} Revue marocaine des sciences politiques et sociales, Dossier "Economie politique du Maroc", volume XIV, Hors série. Les auteurs du volume n'ont pas hésité ... {facebook#http://facebook.com} {twitter#http://twitter.com} {google#http://google.com} {pinterest#http://pinterest.com} {youtube#http://youtube.com} {instagram#http://instagram.com}

Formulaire de contact

Nom

E-mail *

Message *

Fourni par Blogger.