مقترحات لتمويل الإنعاش الاقتصادي وتنمية الدولة الراعية بالمغرب للأستاذ ياسر التمسماني






مقترحات لتمويل الإنعاش الاقتصادي وتنمية الدولة الراعية بالمغرب

 ياسر التمسماني[1]

 ترجمة: نور الدين سعودي

 

خلال الصدمة السلبية، جراء الأزمة الصحية والاقتصادية التي نجتازها، بلغ الشك إزاء المستقبل ذروته وأثر بقوة على سلوك الفاعلين، مما دفعهم إلى تأجيل مشاريعهم بخصوص الاستهلاك والاستثمار. في مثل هذه الظرفية، يسعى الفاعلون الخواص إلى تراكم الأصول\الموجودات بمختلف أشكالها، وتبقى الدولة وحدها قادرة على دعم الاقتصاد والتخفيف من الضرر الذي قد يطاله وعلى رسم مسار للخروج من الأزمة.

 

وكما هو الحال في بلدان أخرى، فإن الدولة في المغرب هي وحدها التي تمتلك القدرة على جعل ما بعد أزمة كوفيد 19 مغايرا وأفضل (حسب طبيعة وحجم الإصلاحات المعتمدة) من الواقع الذي كان سائدا من قبل. ويتم هذا من خلال بلورة سياسات الإنعاش، المختلفة عن تلك التي حاولت بها تدبير الأزمة. وهي السياسات التي يتعين عليها أن تتماهى مع التوصيات المنبثقة عن النقاش حول إعادة بناء رافعات النموذج الحالي للنمو.

 

في الواقع، سيكون من العبث، من وجهة نظر فعالية وتحسين عمل الدولة، أن نتصور تدابير لإنعاش الاقتصاد خارج التفكير في النموذج الاقتصادي "الجديد". يجب أن يسير الاثنان جنباً إلى جنب، أولاً، لأنهما يشتركان في نفس الحقول والزمانية والمجال؛ وبشكل خاص لأنهما يعتمدان على نفس الموارد ويؤثران على نفس الفاعلين.

 

ومع ذلك، يمكن أن يخضع عمل الدولة لمقاربات متناقضة، على الرغم من أن الغاية النهائية المفترضة، والمتمثلة في تحسين الرفاه الاجتماعي، تكون مشتركة. في هذه المقالة، سنبدأ من نتيجة العمل السابق الذي يبرهن على أن أفضل جواب على الأزمة المزدوجة التي تمر بها البلاد، والمتجلية في العجز التنموي أولاً ثم في الأزمة الصحية، يتلخص في العمل على بناء دولة راعية او اجتماعية في المغرب (راجع المقـال المعنون بـ" الأزمة الصحية وضرورة بناء دولة راعية في المغرب ").

 

يتطلب هذا الحل موارد مهمة، لاسيما الموارد المالية، التي تحتاج تعبئتها بكميات كافية براعة معينة. يجب البحث عن سبل جديدة لتمويل الاقتصاد. ومهما كان مصدر هذه الموارد، فإن عجز الميزانية سوف يتسع وسيتراكم الدين العمومي (للخزينة)، وعلى وجه التحديد يكمن رهان هذه الأدوات المالية الجديدة في قدرتها على الحفاظ على استحمالية (قابلية تحمل) هذا الدين.

 

السياسات الاقتصادية وطرق تمويلها: النظرية تطغى على الممارسة

 

إن الدفاع عن تطوير الدولة الراعية يضعنا، على المستوى النظري، في موقع مناقض للاقتصاد الكلي المهيمن، أي "التوليف الكلاسيكي الجديد"، أو "النيوليبرالية"، وعلى النقيض من الدور الذي يوكله للسياسات الاقتصادية. وتتجلى مهمة هذه السياسات فقط في تلطيف الدورة الاقتصادية، بينما تعود للإصلاحات الهيكلية التي توصف بأنها "صديقة للسوق"، مثل تلك التي توصي بالخوصصة الشاملة والمرونة وتحرير الأسواق، إلى جانب خطاب "الحكامة الرشيدة"[2]، تعود لها مهمة الفعل في هذا المنحى، وتوسيع الناتج الكامن في نهاية المطاف. ويتفرع عن تقاسم هذه الأدوار أو توزيعها استنتاجان رئيسيان:

• من ناحية، تكون الدورة منفصلة عن المنحى، حتى في حالة البلدان النامية، حيث لا يكون مفهوم العمالة الكاملة، الذي يشير مباشرة إلى تحديد المنحى، مرادفًا لمستوى معيشي راقي. وبعبارة أخرى، هذه السياسات الاقتصادية فعالة فقط على المدى القصير، وبالتالي لا يمكن اعتمادها من أجل التنمية الاقتصادية على المدى الطويل. لذلك يتعين علينا أن نتعامل مع بناء نظري لسياسات اقتصادية لها دور "مناهض للتنمية"[3].

• ومن ناحية أخرى، فإن التفوق المفترض في التنسيق من قبل السوق لتحقيق المستوى الاجتماعي الأمثل يعطي الأولوية لمبدأ الفعالية، ويحيل قضية عدم المساواة وتوزيع الدخل إلى مرتبة ثانية، حيث يتم التعامل مع هذه القضية كنتيجة لظروف العرض في السوق وليس كعامل محدد للإنتاج والنمو.

 

وبالمثل، فإن هذا التيار الفكري السائد يخلص إلى تسلسل هرمي بين السياسات الاقتصادية. إذ يعتبر أن السياسة النقدية وحدها قادرة على تنظيم الاقتصاد، في حين يجب أن تقتصر السياسة المالية على الحفاظ على توازن الميزانية (مفهوم "الحياد")، وأي تجاوز في هذا المستوى ستتم مواجهته من خلال سياسة نقدية معارضة. يجب أن تؤدي زيادة الإنفاق العمومي (صدمة الطلب)، وفقًا لهذا التيار الفكري، إلى الضغط على الأسعار التي ستستقر عند مستوى أعلى من المستوى المتوقع من قبل الفاعلين، الأمر الذي سيدفع البنك المركزي، طبقا لقاعدته، إلى الرفع من المعدل الرئيسي، وبالتالي إلغاء زيادة الإنتاج الأولية.

 

بعد صدمة العرض الإيجابية، فإن انخفاض التضخم المالي المقابل لها يكون أقل من الانخفاض المتوقع بسبب الجمود الاسمي، والإنتاج سيكون أكبر من المتوقع بسبب الفجوة التي تنشأ بين معدل الفائدة الحقيقي الذي يتوقعه المستثمرون والمعدل الحقيقي الجاري. إذ ذاك، يعرف الاقتصاد فورة، وسيكون رد فعل البنك المركزي الزيادة في المعدل الرئيسي. ويؤدي هذا الأخير إلى عودة معدل الفائدة الحقيقي إلى مستواه المتوقع، ويبلغ الإنتاج مستوى توازنه. في نهاية المطاف، ينخفض الضغط على الأسعار ويعود التضخم المالي إلى المستوى المتوقع. بذلك، يعد التضخم المالي المؤشر المرجعي لحالة توظيف الموارد في الاقتصاد، فيما تعد السياسة النقدية في الواقع وحدها القادرة على استقراره عند مستواه، مما يضمن التوازن الأمثل في جميع الأسواق (وودفورد Woodford ، 2003).

 

بهذه الطريقة، يتمكن التيار "النيوليبرالي" (التوليف الكلاسيكي الجديد)، اعتمادا على فرضية التوقعات العقلانية، من شرح فعالية التدبير من خلال قواعد اتخاذ القرار، وخاصة تفوق السياسة النقدية. هذه الأخيرة قادرة، بمفردها وبشكل متزامن، على التحكم في التضخم المالي وسد فجوة الإنتاج[4].

 

ومع ذلك، وفق منظور الدولة الراعية، ثمة اندماج بين الدورة والمنحى الاقتصاديين، ويتعين على السياسة المالية التوسعية، على سبيل المثال، أن تتوخى الحد مما يسمى البطالة الهيكلية. وتعد ميزانية الدولة رأس الحربة للتنمية التي تنطوي على بناء دولة راعية. ويتم السعي لتحقيق أهداف الفعالية والإنصاف في وقت واحد، كما يتضح من أعمال مؤلفين مثل ن. كالدورN. Kaldor (1908-1986)، م. كاليكي M. Kalecki (1899-1970) أو ل. باسينيتي  L.Pasinetti.(1930..)، الذين أحيوا في التحليل الاقتصادي الصلة الكلاسيكية بين الإنتاج والتوزيع. بالنسبة لهؤلاء المؤلفين، فإن توزيع الدخل يحدد ديناميات الإنتاج.

 

يجب التأكيد هنا على أن أي جواب على الأزمة الحالية الذي سيستند إلى الدولة الراعية ستتم إدانته مسبقًا من قبل صندوق النقد الدولي. توقعت مؤسسة بريتون وودز، في تقرير "المراقبة المالية" في أبريل الماضي (صندوق النقد الدولي، 2020)، توسيع عجز الميزانية في المغرب بحوالي 3 نقاط مئوية من الناتج المحلي الإجمالي لتستقر في عام 2020. في حدود7.1٪[5] وارتفاع الديون من 65.8٪ إلى 73.7٪ من الناتج المحلي الإجمالي. وتعزى هذه الزيادة بالدرجة الأولى إلى تآكل الناتج المحلي الإجمالي، ثم إلى الزيادة الكبيرة في إنفاق الخزينة العامة، خارج صندوق تضامن كوفيد 19. بالنسبة لعام 2021، تم التخطيط للعودة إلى الميزانية المتوازنة، بفعل الانتعاش المفترض للنشاط الاقتصادي. وتشير هذه التوقعات إلى أنه، يتعين على المغرب، خلال أقسى أزمة شهدها منذ ربع قرن، أن يحافظ على السياسة المالية "المحايدة"، وفقًا لتعاليم عقيدة الاقتصاد الكلي الجديدة.

 

يفترض هذا السيناريو ضمنياً أن الأزمة الحالية ذات طبيعة ظرفية بحتة، عابرة، وأنها انحراف بسيط عن التوازن، كما لو أن تدمير قدرات الإنتاج المادية والبشرية المترتب عنها يمكن استرداده بالكامل خلال المرحلة الصاعدة من الدورة الاقتصادية. وبما أن المنحى منفصل عن الدورة، كما هو حال الجانب الهيكلي مع الجانب الظرفي، فإن الاقتصاد سيعود إلى حالته العادية، وإلى مستوى توازنه قبل الصدمة، ولن يتغير أي شيء في أفضل الأحوال. والحال، أن استقرار التوازن (أي العودة إلى الوضع العادي بعد الصدمة) ليس سوى عملية اصطناعية تسهل حل النماذج ولا تعيد بأي شكل من الأشكال التطور الفعلي للاقتصاد.

 

من ناحية أخرى، فإن عتبة الدين العمومي التي لا يجب تجاوزها غير معروفة من الناحية النظرية، وهي تخضع للشروط المتعلقة بجمع الأموال واستخدامها. يمكن للدولة أن تأخذ أكبر قدر ممكن من الديون طالما أن التضخم المالي يظل تحت السيطرة وأن معدل الفائدة لا يسير نحو الارتفاع، بحيث يمكن الحفاظ على معدل النمو الاسمي عند مستوى عالي. وستتم تلبية هذا الشرط بسرعة مع الاستئناف التلقائي والتدريجي للنشاط الاقتصادي، خاصة وأن الظرفية الحالية تتميز بمعدلات فائدة منخفضة (تاريخياً) وبطالة جماعية.

 

من ناحية أخرى، إن تمويل الدين العمومي يصطدم بضيق المدخرات الخاصة، التي تعتمد على الدخل الذي يدره الاستثمار العام والخاص، والذي يكون بدوره متأثرا، بالإضافة إلى التوقعات الاقتصادية، بوثيرة تداول النقود، من إحداثها إلى تدميرها. إن جوهر هذه الديناميكية مدفوع بسلوك النظام البنكي وسياسته لـِ (عدم) تمويل الاقتصاد (وهذا منحى ملحوظ في حالة المغرب).

 

في المغرب، يشهد النظام المصرفي وضعا مريحا، نظرا لعوائد رساميله الخاصة بالمقارنة مع البنوك الأجنبية. بالإضافة إلى ذلك، نظرا لبنية نظام تمويل الاقتصاد (السوق المركزة، التنظيم "الأعمى"، إلخ.)، فإنه ليس لديه حافز كبير لدعم تنمية البلاد والرهان على مستقبلها، غير المؤكد أصلا؛ وذلك من خلال سياسة توزيع القروض التي تسرع تداول النقود المولدة للديناميات الاقتصادية. في سياق هذه الندرة في المدخرات وتنظيم تمويل الاقتصاد المواتي لمساهمي البنوك، كيف يمكننا تمويل الدين العمومي، ومن خلاله الانتعاش الاقتصادي والتنمية؟

 

التمويل النقدي للدين العمومي: حل محفوف بالمخاطر في حالة المغرب

 

شهد الجدل الدائر حول تمويل الدين العمومي من قبل البنك المركزي انتعاشا مع الأزمة الحالية والدعم المالي الكبير الذي قدمته الدول لتخفيف تداعياته الفورية. بإتباع هذا النمط، يبدأ البنك المركزي في شراء بشكل مباشر أو غير مباشر، سندات عمومية صادرة عن الخزينة، في السوق الثانوية أو من خلال وساطة فاعلين اقتصاديين آخرين[6]. وقد تجدد الاهتمام بهذه الممارسة في أوروبا والولايات المتحدة، وبعد ذلك في اليابان، في أعقاب أزمة عام 2008، التي أدت إلى امتصاص الدين العام للدين الخاص. وقد أدى هذا الإرث إلى الحد من هوامش عمل بعض الدول لتعبئة ميزانياتها على نطاق واسع لمواجهة الأزمة الحالية. وقد جاء الجواب من البنوك المركزية، التي ضاعفت بكثير برامجها الخاصة بالتمويل المباشر وغير المباشر للدين العام من خلال إعلان نهاية أو توقف مؤقت، عمليًا، للسياسة النقدية بدون نقود (تلك التي تتم فقط من خلال التلاعب بمعدل الفائدة) التي تدعو إليها (التوليف الجديد) النيوليبرالية.

 

هل يمكن للمغرب أن يتحمل مثل هذا الخروج عن الأرثوذكسية النقدية؟ وبأي تكلفة يمكنه القيام بذلك؟ من المؤكد أن التمويل النقدي للدين في المغرب، كما هو شأن باقي الدول، له مزايا عديدة:

 

1/ إنه جواب سريع، للاحتياجات التمويلية العاجلة بسبب الأزمة، بينما يستغرق أي إصلاح ضريبي الوقت، من ناحية، ومن ناحية أخرى، يكون فعالا عندما يتطور "تفضيل السيولة" من طرف الفاعلين الخواص مع انسداد الأفق الاقتصادي؛

 

2 / إنه يسمح بالتحكم في تكلفة الديون مع إمكانية تحويلها إلى دين دائم ومجاني، مما يخفف من إكراهات استحمالية (قابلية تحمل) ديون الخزينة؛

 

3 / ويشجع البنوك، بشكل غير مباشر، على زيادة مشاركتها في تمويل الاقتصاد عندما يفلت منها جزء من الخيارات المتاحة لها لاستثمار أموالها؛

 

4 / إنه يمارس ضغطًا على معدلات الفائدة بسبب انخفاض الطلب على السيولة في السوق مقارنة بالوضع الذي تقوم فيه الدولة بإعادة تمويل ذاتها في السوق (و. وج. طوبين، W. and J. Tobin، بويتر Buiter، 1976).

 

ومع ذلك، عند التدقيق في الموضوع، لا يبدو أن التمويل النقدي للدين العام في المغرب فكرة جيدة، حيث يبدو أنه ينطوي على المخاطر المحتملة لأزمة سعر العملة الوطنية. أضف إلى ذلك مخاطر تضخم مالي آخر أو حتى تضخم تراكمي، على الرغم من أن هذا ليس مرجحًا جدًا في السياق الحالي. يتطلب تجنب هذه المخاطر تنسيقا استثنائيًا بين العديد من الفاعلين (البنك المركزي، الخزينة والفاعلين الاقتصاديين الخواص)، والذي من غير المرجح أن ينجح، حيث أن لكل منهم سلوكه الخاص وأهدافه المتباينة. سيكون من الضروري أيضًا تخيل سلطة "عليا" ستُمارَس على السلطة التنفيذية من أجـل منعها من اللجوء بـشكل متكرر جدًا إلى هذا النوع من التمويل، وهي آلية يسهل تعبئتها بمجرد أن يتم فتح الطريق لها.

 

وبخلاف ذلك، بحكم التحرر من أي إكراهات قابلية التحمل (أي الاضطرار إلى سداد الديون والقدرة على سدادها)، ستصبح زيادة الدين العمومي لتمويل الإنفاق الإضافي، للسماح بتخفيض الضرائب أو التعامل مع أي أزمة، الحل الأسهل، وبالتالي الحل المتكرر، للأسباب/المزايا المذكورة أعلاه، ولكن أيضًا لأنها ستحدث دون أي تضحية من أي فاعل اقتصادي على وجه الخصوص.

 

من أجل مرونة دون تغيير للواردات إزاء الإنفاق العام، فإن اللجوء المتكرر لهذا التمويل من شأنه أن يؤدي إلى استنفاد احتياطيات العملة الأجنبية المتاحة للسلطات من أجل الحفاظ على قيمة الدرهم وأن يزج بالبلاد في أزمة صرف العملة. وستتحدد المدة الزمنية التي يمكن أن يستغرقه ذلك، حسب قيمة هذه المرونة، وبعبارة أخرى، حسب قيمة المضاعِف الكينيزي. هذا الأخير، الذي يرتبط سلبًا بمعدل اختراق الواردات، له قيمة منخفضة نسبيًا في حالة البلدان النامية، بما في ذلك المغرب: من المرجح أن تكون أزمة العملة رد فعل منطقي للاقتصاد على التمويل النقدي المتكرر وغير المنسق لديون الخزينة.

 

علاوة على ذلك، في هذا السيناريو، ستواجه السياسة النقدية المعضلة التي أحدثتها الرغبة في استهداف هدفين بأداة واحدة. الهدفان هما تمويل الخزينة والدفاع عن القيمة الخارجية للعملة الوطنية. في غياب التنسيق، يتبين أن هذين الهدفين متناقضان، والحل الذي ينطوي على السعي إلى حل وسط بينهما يؤدي إلى إلغاء جزئي على الأقل للتأثير التوسعي الناجم عن الدين العمومي، من خلال تنفيذ عملية التعقيم في سوق الصرف الأجنبي من قبل البنك المركزي. وباختصار، فإن اللجوء إلى التمويل النقدي في إطار نظام بسعر صرف ثابت (أو وسيط كما هو الحال في المغرب) يؤدي إلى تعريض الاقتصاد لمخاطر أزمة سعر صرف في حالة إنتاج وطني ثابت.

 

أما الخطر الثاني المتأصل في التمويل النقدي المتكرر ودون التحكم في استخدام الدين العمومي، فيتعلق بديناميات الأسعار. فإذا كان التضخم المالي بفعل تكاليف الإنتاج غير ممكن في ظل الظروف الحالية للاقتصاد الوطني، التي تتميز بالبطالة الجماعية مع عدم وجود آلية مؤسساتية لربط الأجور بالأسعار وقلة استخدام قدرات الإنتاج، فإن التضخم المالي المترتب عن اتساع الفجوة بين العرض والطلب، مما يعكس ندرة السلع والخدمات، لا ينبغي استبعاده في حالة استخدام الدين لتمويل نفقات التسيير أو الاستهلاك النهائي.

 

وعلاوة على ذلك، قد ينشأ خطر التضخم المالي أو حتى التضخم التراكمي من حالة تتزعزع فيها الثقة في العملة الوطنية بسبب توسع الأموال السهلة في الاقتصاد، مما يتسبب في فقدان قيمتها. وبما أن الثقة في العملة عنصرًا أساسيًا حتى تتمكن من ممارسة وظائفها المتعددة (تختزن القيمة، وحدة للحساب، إلخ)، فإنها هي التي تجعل الفاعلين الاقتصاديين يطلبونها ويحتفظون بها بأشكالها المختلفة (اعتمادًا على الدرجة المطلوبة من السيولة وتجنب المخاطر لكل منها). في غياب ذلك، يرغب الفاعلون في التخلص منها، في حركة هروب إلى الأمام منسقة، مما يؤدي إلى ارتفاع تراكمي في الأسعار حسب انتشار عدم الثقة.

 

لكل هذه الأسباب، وفي غياب الضمانات المطلوبة، فإن باب التمويل النقدي يجب أن يبقى مغلقاً في حالة المغرب. لأنه بمجرد الضغط عليه، فإن فرص استخدامه بشكل متكرر ستكون عالية جدًا. والواقع أن الإغراء أكبر عندما يمكن، من ناحية، توسيع ميزانية البنك المركزي دون حدود معقولة. والحد الوحيد هو العتبة النفسية الاعتباطية، حيث أن الأزمات المتتالية لعام 2008 والديون العمومية لدول معينة في جنوب منطقة اليورو في 2011\ 2012 دفعت البنوك المركزية الكبرى في العالم إلى تجاوزها عندما وصلت ميزانياتها العمومية إلى مستويات غير مسبوقة. ومن ناحية أخرى، ليس للدين العمومي حد آخر غير قدرة الاقتصاد على استيعابه من خلال خلق الثروة[7]. إن الأبحاث التجريبية التي سعت لتقدير عتبة لنسبة الدين العمومي التي انطلاقا منها سيكون لهذا الأخير أثر تراجعي، مشروطة باختيار عينة البلدان التي تمت دراستها، ومنهج الاستنباط، والفترة التي شملتها الدراسة، ولذلك، لا يمكن تعميمها ولن نجد الدعم النظري إلا إذا افترضنا أن الاقتصاد في حالة تشغيل كامل، وهو أبعد ما يكون عن حالة الظرفية الراهنة.

 

ثلاثة مقترحات لتمويل الانتعاش الاقتصادي والتنمية في المغرب

 

تتطلب الحاجة الملحة للانتعاش الاقتصادي، استجابة للأزمة الصحية وضرورة بناء دولة راعية كرد على تحديات التنمية، تعبئة قدر كبير من الأموال، الأمر الذي يقتضي استخدام قنوات جديدة لتمويل الاقتصاد. لكي تكون هذه القنوات ذات مصداقية، يتعين عليها أن تكون مسؤولة سياسياً (وهذا ليس هو الحال مع التمويل النقدي غير المشروط والمتكرر)، ومقبولة اجتماعياً، من خلال آثارها المحتملة على إعادة التوزيع (الدخل)؛ ويجب عليها أيضًا أن تخرج عن قوانين السوق المالية (للتحكم بشكل أفضل في تكاليفها، لأنه هو الشيء الوحيد المهم في تدبير الدين العمومي) وفي نفس الوقت أن تجعل من الممكن ضبط (بشكل غير مباشر) النظام البنكي من خلال تشجيعه على المشاركة بشكل أكبر في تنمية البلاد.

 

بالإضافة إلى الإجراءات التي يمكن للحكومة اتخاذها على المدى القصير للغاية، دون الحاجة إلى مراجعة عميقة للإطار الحالي لتمويل الاقتصاد، مثل تلك المتعلقة بمكافحة الاحتيال الضريبي وتحسين المردود الضريبي أو الإصلاح الشامل للثغرات الضريبية على أساس تعاقدي، ثمة ثلاث طرق جديدة لتمويل احتياجات المجتمع والاقتصاد تبدو واعدة، وتفي بالشروط المذكورة أعلاه وتغطي الجوانب الرئيسية للدولة الراعية (الاستثمار، التضامن أو التغطية الاجتماعية، الخدمات العمومية):

 

1 / بنك عمومي للاستثمار مخصص لتمويل الاستثمار "المفيد"   [8]

 

إن إنشاء بنك عمومي للاستثمار تبرره الحقيقة البسيطة المتمثلة في أن تمويل الاقتصاد وتنميته يعد مصلحة عامة. وبالتالي، يجب أن يخضع تشغيله لمنطق مختلف عن منطق البنوك التجارية، التي تتصرف مثل الشركات الخاصة ذات النزعة المالية، التي تبحث باستمرار عن زيادة في الأرباح الموزعة على المساهمين. والحال أن تمويل الاقتصاد المغربي وتطوره هو هدف مشترك، وقد تم تفويض تحقيقه للقطاع البنكي من خلال الريع الذي توفره حواجز الدخول إلى هذا القطاع (أي منح التراخيص) التي وضعها المنظم. يتعلق الأمر في الأساس بعقـد ضمني ولكن أحد الأطراف ذات المصلحة – النظام البنكي في هذه الحالة – لم يتمكن من الوفاء بالكامل بنصيبه من الالتزامات، كما يمكن أن تشهد الفجوة المستمرة بين الاستثمار الفعلي والاستثمار الأمثل اجتماعيا. في مثل هذه الظروف، يجب على الدولة، في نهاية المطاف، مواجهة هذا الواقع، وبالتالي تحمُّل جزء من تمويل الاقتصاد، من خلال إنشاء بنك عمومي للاستثمار مخصص لتمويل المشاريع التي تستوفي المعيار المزدوج للجدوى الاقتصادية والمنفعة الاجتماعية.

 

من وجهة نظر تنظيمية، سيتعين على هذا البنك الجديد الامتثال لممارسات الحكامة الدولية في هذا المجال (التي كانت مفقودة في حالة البنك الوطني للتنمية الاقتصادية BNDE والتي أدت به إلى الإفلاس) مع التوفر بالخصوص على هيئات الرقابة والاستشارة المناسبة لمهمته.  

 

لن يتنافس هذا البنك بشكل مباشر مع البنوك التجارية الحالية لأن هدفه سيتكون من المشاريع التي أهملها النظام البنكي حسب اشتغاله إلى حد الآن. في الواقع، ستتجلى مهمته في تمويل المشاريع التي يكون دوامها الاقتصادي، من حيث تحسين الرفاه الاجتماعي والمنفعة الاجتماعية ثابتا، ويكون عائدها المالي على المدى القصير أقل جاذبية للبنوك. في الواقع، هذه مشاريع غالبًا ما تكون استثمارات طويلة الأجل ومحفوفة بالمخاطر، وهي مصدر للعوامل الخارجية الإيجابية التي لا يعرف السوق كيفية تقييمها ولا يدمجها عادةً في عملية صنع القرار الفردية. وباختصار، فإن المشاريع التي لا تهم نظامًا بنكيا تركز حصريًا – يجب الاعتراف بذلك بوضوح من أجل توزيع الأدوار – على ارتفاع أرباح الأسهم في نهاية كل عام.

 

بالمقابل، ستتنافس هذه المؤسسة مع البنوك في تحصيل الودائع[9]، ولكن أيضًا من خلال تمويل جزء من الدين العمومي، الذي يستجيب لمعاييره الخاصة لاختيار الاستثمارات التي يدعمها. لكن هذه المنافسة لجذب الودائع لها ميزة كبيرة: فهي ستشجع البنوك الخاصة على تحمل المزيد من المخاطر وتنويع محافظها من أجل تحقيق عوائد عالية لمساهميها. وهذا سيقودها إلى المشاركة بشكل أكثر فاعلية في استثمارات المستقبل المختارة بعناية، بدلاً من أن تقتصر على المجالات المريحة الخاصة بها (العقارات، الشركات الكبيرة، الضمانات المفرطة، إلخ). هناك العديد من الأمثلة على البنوك العمومية في جميع أنحاء العالم وتختلف مهامها وأساليب تنظيمها وحكامتها من بلد إلى آخر. يحدد مازوكاتو Mazzucato وبينا (Penna (2016 أربعة أدوار يمكن أن يلعبها البنك العمومي للاستثمار:

1\ دور مضاد للدورات الاقتصادية، لاسيما لتسهيل عملية خفض مديونية الفاعلين عند انخفاض الدورة، الأمر الذي يهدد بتمديد فترة الركود أو التباطؤ. وهذا يجعل من الممكن تصحيح سلوك البنوك الداعم للدورة الاقتصادية (هويزينغا Huizinga، هـ. لـ. لايفين H. L. Laeven، 2019

 

2/ دور في تمويل تنمية القدرات الإنتاجية لبلد ما ومواكبة استراتيجيته الاستثمارية الوطنية (عندما تكون لديه هذه الاستراتيجية بالطبع)؛

 

3/ دور الشريك والمستشار للمقاولات الهشة (المقاولات الصغيرة جدا والصغيرة والمتوسطة والمقاولات الصغيرة والمتوسطة) و/أو التي تعمل في القطاعات المحفوفة بالمخاطر (الصناعة، البحث والتطوير، وما إلى ذلك)؛

 

4 / دور الدعم المالي لبعض الاستثمارات التي تستهدفها الدولة لتحقيق أهداف محددة، على سبيل المثال، التماسك الاجتماعي، واحترام البيئة أو النهوض بالتحول الرقمي. والاستثمارات التي يتعذر عليه الحصول على تمويلها إذا تم تقييمها على أساس المعايير البنكية المرجعية. في هذا الصدد، يعد البنك العمومي للتنمية الصيني، الذي تتمثل مهمته على وجه التحديد في تقديم الدعم المالي والمشورة لتنفيذ الخطط الخماسية المختلفة، مثالا عن ذلك.

 

من الواضح أن استدامة مثل هذه الهيئة ستعتمد على طرائق حكامتها على المستويين التنظيمي والوظيفي، بارتباط مع معايير اختيار المشاريع التي سيتم تمويلها، ولكن أيضًا مع شروط إعادة تمويلها. حول هذه النقطة، سيكون للبنك المركزي دور رئيسي في تزويدها بالسيولة الكافية، دون أن يؤدي ذلك إلى تضارب في الأهداف مع سياسته للاقتصاد الكلي الخاصة باستقرار الأسعار. سيتم ضمان ذلك من خلال مجموعة مختارة من المشاريع التي سيتم تمويلها والتي تضمن،على مستوى الاقتصاد الكلي، تجنب الانحراف الدائم للإنتاج عن مستواه المحتمل أو هروب صاف للعملة الأجنبية إلى الخارج.

 

وبهذا المعنى، يمكن للمرء أن يتخيل بصورة مشروعة أن يحدث البنك المركزي خطا لإعادة تمويل خاص لصالح هذه الهيئة الجديدة، مع شروط مواتية من حيث التكلفة ومكيفة من حيث الآجال، والتي ستحميها من الآثار الكامنة في الحركات العالية التردد في السوق النقدية، وتضمن استدامتها على المدى الطويل. هذا الخط "المميز"، يجد ما يبرره ليس فقط من خلال المهمة الأساسية للمصلحة العامة الموكلة إلى هذا البنك العمومي، ولكن أيضًا من خلال الضمانات التي سيتم وضعها لتأمين اشتغاله بشكل سليم، واحتواء المخاطر المحتملة والمماثلة لتلك التي يمكن أن تترتب عن التمويل المباشر النقدي للديون.

 

2 / ضريبة على الإرث وعلى نقل الملكية لتمويل التماسك الاجتماعي ومأسسة التضامن 

 

إن الاعتماد على الأعمال الخيرية والتبرعات (بدون إمكانية وجود تبرع مضاد) لمساعدة الناس على التعامل مع تقلبات الحياة لا يؤدي إلى بناء مجتمع متماسك يشعر أفراده بالمساواة في تقدير الذات وفي النظرة للآخر. بالإضافة إلى ذلك، تعتمد الموارد الخيرية بشكل جوهري على سير "السوق" وتوزيع الثروة الناتج عنه. في جميع أنحاء العالم، أدى إطلاق العنان للسوق إلى تعميق التفاوتات، ولكنه في الوقت نفسه أدى إلى زيادة الأعمال الخيرية من جانب المستفيدين. هذا ليس متناقضًا إذا افترضنا أن شراء صورة اجتماعية مميزة وإظهار الروح الوطنية (الأولية) لهما تكلفة، خاصة وأن المبالغ المتبرع بها غالبًا ما تكون معفاة من الضرائب. ثم ترتبط الأعمال الخيرية ارتباطًا إيجابيًا بديناميات عدم المساواة وتنشأ من تفاقمها. إنها أيضًا وسيلة لتقليل ما يدين به الفائزون في السوق للمجتمع، من خلال عمليات تحسين الضرائب. إلا أن هذه العمليات الخيرية ليست مرادفًا بأي حال من الأحوال للتضامن ولها طابع عرضي.

 

والتضامن الذي يحفظ الكرامة هو ما ينطوي على إرساء الحقوق الاجتماعية التي تضمن الدولة احترامها. بدلاً من الرهان على الضمير الحي للفائزين في السوق، يمكن تمويل التضامن بواسطة ضريبة جديدة على الميراث ونقل الممتلكات التي تتجاوز عتبة معينة والتي تؤدي إلى إثراء سهل للفائزين[10]. يحصل هؤلاء على ثروة دون أن يكون لهم دور في تكوينها، مع العلم أنه في وقت إنشائها وطوال فترة تحصينها، ساهم المجتمع فيها، من خلال عدة قنوات، دون أن يحصل على مقابل بالكامل. منطقيا، في وقت انتقالها بين الأشخاص الأحياء أو بعد موتهم، يجب أن يعود جزء من هذه الثروة إلى المجتمع. على سبيل المثال، عندما يرتفع سعر أصل عقار أو قطعة أرضية بسبب استثمار عمومي مجاور له، فإن مالك الأصل المعني بالزيادة مدين للمجتمع في ثروته.

علاوة على ذلك، فإن هذه الضريبة تجعل من الممكن تصحيح عدم تكافؤ الفرص وعدم تساوي النتائج، وتُقلص الشهية لجني الريع. تظهر العديد من الدراسات أن احتمال أن يختار الشخص الحصول على الريع بدلاً من الاستثمار في خلق القيمة، يزداد مع حجم الثروة الأولية المتاحة له (دابلا-نوريس، Dabla-Norris، إ. وب. واد،E. and P. Wade  2001). وأخيرًا، من شأن هذه الضريبة أن تقلل من مخاطر انتقال التفاوتات بين الأجيال.

 

3 / إصدار سندات الخزينة طويلة الأجل لتمويل للخدمات العامة مُستحمَل     

 

إن الإنفاق على التعليم والصحة استثمار لا تظهر فوائده إلا بعد جيل، عندما يصبح الأطفال الحاصلين على تعليم أفضل ولهم صحة جيدة راشدين ويشاركون في حياة المجتمع، مع إنتاجية أفضل. إن تمويل هذه النفقات دون تعريض استحمالية (قابلية تحمل) الدين العمومي للخطر يتطلب إما تكييف طريقة حساب عتبة العجز الأولي، التي يصبح ما بعدها الدين غير مستحمَل، بحيث لا يكون ما يتم الاحتفاظ به في معادلة حسابه هو معدل النمو الاسمي للعام الحالي، بل معدل النمو المحتمل بعد حساب وخصم الآثار طويلة الأجل للإنفاق على الخدمات العامة. يتمثل البديل في تعبئة المدخرات الوطنية (الخاصة والمؤسساتية) بتكلفة منخفضة والتي سيتم تحديد موعد سدادها لرأس المال في نهاية الفترة، أي بمجرد أن تولد هذه النفقات النمو وبالتالي الموارد الكافية لسدادها.

 

سيحتوي الخيار الأول على هامش اعتباطي لحساب النمو الكامن ويصعب تنفيذه من الناحية السياسية لأنه سيكون من الضروري إقناع المؤسسات الدولية المتخصصة في تقييم حالة المالية العامة عبر العالم، باعتماده كمعيار للاستحمال.

 

أما الخيار الثاني، فهو معقول أكثر، لأنه: بالنسبة للدائنين، تعد سندات الخزينة استثمارات آمنة التي يحتاجون إليها تمامًا، خاصة في الأوقات العصيبة مثل تلك التي نمر بها اليوم. من المسلم به أن عائدها سيكون منخفضًا، لكنها تسمح لهم بحماية مدخراتهم من التضخم؛ وبالنسبة للخزينة، سيتم إصدار هذه الأصول بمعدلات منظمة (غير خاضعة للسوق) قريبة من معدلات إعادة التمويل المصرفي قصيرة الأجل، والتي يمكن أن يُضاف إليها أو يُطرح منها قسط متغير يعكس طبيعة عدم التوازن بين العرض والطلب في السوق لهذه الأوراق المالية.

 

بالنظر إلى أن آجال الاستحقاق طويلة وأن سداد رأس المال من قبل الخزينة لن يتم إلا عند نهاية الاستحقاقات، فإن جاذبية هذه الأصول الجديدة ستزداد إذا كانت قابلة للتداول في السوق، مع ضمان إعادة شرائها من قبل البنك المركزي، كملاذ أخير. هذا تمويل غير مباشر للدين العمومي، لكنه مؤقت ولا ينطوي على أي مخاطر من شأنها التسبب في أزمة سعر الصرف، حيث أن إنتاج القطاعات المستفيدة من الأموال المقترضة لا يحتاج إلى نسبة عالية من الواردات. وقد تؤدي هذه الضمانة إلى حث أصحاب حسابات الودائع "تحت الطلب" وغيرها من أشكال العملة الأكثر سيولة على شراء سندات الخزينة، وبالتالي تعبئة المدخرات الموجودة والتي لم يُحسن توظيفها في الاقتصاد. بالإضافة إلى ذلك، فإن تخصيص الإيرادات لتمويل التعليم العمومي والخدمات الصحية يمثل حجة قوية لتعبئة المدخرات الوطنية، وهي حجة يمكن للخزينة أن تعتمد عليها في حملة وطنية " للإغواء ".

 

في الختام، من المهم الإقرار بأنه إذا قبلنا وضع الدولة الراعية في قلب سياسة الانتعاش الاقتصادي والتنمية، فمن نافلة القول أن السياسة المالية يجب أن تستعيد دورها المركزي، مما يضمن لها أن تفعل، في نفس الوقت، في الجوانب الظرفية (الدورة) والهيكلية (المنحى). وفي إطار السبل الثلاثة المقترحة لتمويل محدد الأهداف للاقتصاد، تحتل السياسة المالية المقدمة مدعومة بالسياسة النقدية. يعيدنا هذا إلى مفهوم السياسة الاقتصادية القائمة على التعاون بين الخزينة والبنك المركزي، ويشير إلى العودة لمنطق "مزيج السياسات" الذي كان سائدًا قبل هيمنة أطروحات التيار النيوليبرالي (التركيب الجديد)، التي نظَّرت لتفوُّق السياسة النقدية وما يترتب عليها من استقلالية البنك المركزي في مجال التحليل الاقتصادي.

 

وبالإضافة إلى كون هذه السبل الثلاثة لتمويل الاقتصاد ستضمن تعبئة الموارد المالية اللازمة لتنمية البلاد، فإنها سيكون لها أيضًا تأثير محفز على البنوك التجارية، من خلال دفعها إلى الانخراط بشكل أكبر في الاقتصاد، والرهان على ازدهار مستقبله. ويمر هذا الأثر التحفيزي أحيانًا من خلال تضييق إمكانيات التوظيف المتاحة لهذه البنوك بتمويل جزء من دين الخزينة من قبل البنك العمومي للاستثمار، وأحيانًا من خلال انخفاض الودائع التي يمكن أن تطمح إليها مع إنشاء البنك العمومي للاستثمار الجديد وكذا مع إصدار جيل جديد من سندات الخزينة.

 

المراجع

 

 

Bibliographie

Agénor, P. R. and P. Montiel. (2008). Development Macroeconomics (éd. 3rd Revised edition). Princeton University Press.

Arestis, P. (2009). The New Consensus in Macroeconomics: A Critical Appraisal. In Fontana G., Setterfield M. (eds) Macroeconomic Theory and Macroeconomic Pedagogy.

Arestis, P. and M. Sawyer. (2008). New consensus macroeconomics and inflation targeting: Keynesian critique. Economia e Sociedade, 17.

Atkinson, A. B. (2016). Inégalités. Paris: coll. « Économie humaine », Éditions du Seuil.

Blanchard, O. and L. J. Gali. (2007). Real Wage Rigidities and the New Keynesian Model. Journal of Money, Credit and Banking, 39(1).

Buiter, W. and J. Tobin. (1976). Long Run Effects of Fiscal and Monetary Policy on Aggregate Demand. in J. Stein (éd.), Monetarism.

Dabla-Norris, E. et P. Wade. (2001). Rent Seeking and Endogenous Income Inequality. IMF Working Paper No.(01/15).

Huizinga, H. and L. Laeven. (2019). The Procyclicality of Banking: Evidence from the Euro Area. ECB Working Paper(2288).

International Monetary Fund. (2020). Fiscal Monitor : Policies to Support People During the COVID-19 Pandemic. Washington.

Leijonhufvud, A. (2009). Out of the corridor: Keynes and the crisis. Cambridge Journal of Economics(33).

Mazzucato, M. and C. R. Penna. (2016). Beyond market failures: the market creating and shaping roles of state investment banks. Journal of Economic Policy Reform, 19(4).

Tamsamani, Y. Y., J. Brunet-Jailly, A. Komat et F. Mourji. (2019). Pour un modèle alternatif de développement du Maroc. RéfÉco Working Paper(01). Récupéré sur file:///C:/Users/tamsamani/Downloads/R%C3%A9f%C3%89co-Working-Paper-n_01_2019%20(2).pdf

Woodford, M. (2003). Interest and Prices: Foundations of a Theory of Monetary Policy. Princton University Press.

 

 

 

 



[1]  دكتور في الاقتصاد، من جامعة باريس 1 – بانتيون-سوربون.

[2] - يبدو أن هذا الاختراع يلعب دورًا رفيعا في البحث عن حل وسط بين، من جهة، دروس نماذج النمو الذاتي بخصوص الخيارات الاقتصادية (التعليم والبحث والتطوير، وما إلى ذلك) مما يؤدي إلى نمو على المدى الطويل بدافع ذاتي؛ ومن جهة ثانية، المحافظة على السياسات الاقتصادية "المحايدة". وبالتالي، دون الحاجة إلى توسيع عجز الميزانية، يمكن لإعمال "الحكامة الرشيدة" في تدبير المال العام، بمفردها، تحرير هامش لزيادة الإنفاق على التعليم، مثلا، الذي يعزز النمو طويل الأجل. 

[3] - وهذا هو السبب الذي جعل اقتصاديي التنمية (أجينور، Agénor و ب. ر. وب. مونتييل، P.R et P. Montiel، 2008) يشيرون إليها على أنها سياسات استقرار حول توازن محدد مسبقًا (للتخلف).

[4] - وصف أُ. بلانشار O. Blanchard و كالي L.J Gali 2007) هذه النتيجة بأنها "الصدفة الإلهية" التي ينبغي أن تختفي مع مراعاة الجمود الحقيقي في سوق العمل. تم إصدار العديد من الانتقادات الأخرى، خارج هذه المدرسة هذه المرة، فيما يتعلق بهذه النتيجة ونماذج التوازن العام الديناميكي العشوائي التي تسمح بها، لاسيما من جانب النيوكينزيين (ليونهوفودLeijonhufvud ، 2009) و ما بعد الكينيزيين (أريستيس Arestis، 2009؛ أريستيس، ب. وم. ساوير Arestis، P. and M. Sawyer، 2008).   

[5] - في نفس التقرير، تعتمد هذه المؤسسة على سياسة مالية مقيدة وعودة العجز إلى مستواه قبل أزمة كوفيد -19، اعتبارًا من عام 2021، الأمر الذي يهدد بالقضاء على أي انتعاش اقتصادي في مهده، وهو ما يذكرنا بمسار الخروج من أزمة عام 2008 في بلدان جنوب أوروبا.

[6] - سواء كان التمويل النقدي مجانيًا أو بمعدل إعادة تمويل البنوك، فإن الخيارين صالحان لأن البنك المركزي هو في ملكية الدولة في نهاية المطاف، ويدفع لها أرباحا في نهاية كل عام.

[7] - يجب علينا الحذر من القياس الخاطئ لمقارنة تدبير الحسابات العامة بتدبير ميزانية الأسرة. أولاً، الدولة خالدة، لذا يمكنها تسيير ديونها إلى أجل غير مسمى طالما أنها تفي بالتزاماتها المتعلقة بالتكلفة وخدمة الدين، بينما الأسرة مآلها الموت. ثانيًا، لا تنطبق حجة العبء المتوارث بين الأجيال إلا في حالة خاصة وغير مرجحة، حين تنخرط الدولة في الديون فقط لتمويل استهلاكها. والحال، أن الدولة تراكم الرأس مال العمومي الذي تتركه للأجيال القادمة. وأخيرًا، يمكن للدولة أن تفرض الضرائب، إذا لزم الأمر، أو، في الحالة القصوى، اللجوء إلى التمويل النقدي، بينما لا تستطيع الأسرة ذلك.

[8] - إن مصطلح الاستثمار النافع أو غير العاطل مستعار من أبحاث م. كاليكي الذي قدمه لشرح تعاقب مراحل الدورة الاقتصادية. لاعتماد هذا المفهوم في تحليل سلوك الاستثمار العمومي في المغرب، يمكن للقارئ الرجوع إلى المذكرة التي أنجزتها مجموعة من كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالدار البيضاء ( ي. ي.التمسماني، ج. بروني-جايلي، J. Brunet-Jailly، أ. كوما. A. Komat وف. مورجي F. Mourji، 2019).

[9] - وهذه النقطة على وجه الخصوص هي التي تجعل إنشاء بنك عمومي للاستثمار مرغوبًا فيه أكثر من إنشاء صندوق مخصص لنفس الهدف.

[10] - إننا نطرح هنا فقط مسألة المبدأ والمنطق الكامن وراء هذه الضريبة. الجوانب التقنية المتعلقة بتنفيذها، مثل أساس احتساب العتبة، ومسألة النسب المتباينة حسب عمر المستفيد وتطلعاته أو حسب روابطه الأسرية، ودرجة تقدمه، وآجال تسديده،... إلخ، تحتاج إلى التفكير وإلى عمل مقارنة للتجارب الدولية (راجع على سبيل المثال أ. ب. أتكينسون AB Atkinson (2016، ص 260)، ومقترحاته لفرض الضرائب على عمليات نقل الثروة في المملكة المتحدة).


Libellés :

Publier un commentaire

[blogger][facebook][disqus]

Cress Revue

{picture#http://store4.up-00.com/2017-07/149982714684611.jpg} Revue marocaine des sciences politiques et sociales, Dossier "Economie politique du Maroc", volume XIV, Hors série. Les auteurs du volume n'ont pas hésité ... {facebook#http://facebook.com} {twitter#http://twitter.com} {google#http://google.com} {pinterest#http://pinterest.com} {youtube#http://youtube.com} {instagram#http://instagram.com}

Formulaire de contact

Nom

Adresse e-mail *

Message *

Fourni par Blogger.