أعيش في بلد حيث... للأستاذ عبد المغيث بنمسعود اطريدانو-










أعيش في بلد حيث...

سوق الحي الحسني، المجلس وكافكا!!

مزاجيات

عبد المغيث بنمسعود اطريدانو-

 أستاذ العلوم السياسية والجيوسياسية- جامعة محمد الخامس

ترجمة نور الدين سعودي

هذا المقال كتبته ضمن ركن "مزاجيات"، في 24 يناير 2020، وامتنعت عن نشره، على اعتبار أنه يحمل دلالات متشائمة للغاية. وجاءت جائحة "كورونا" لتعزز فكرة تأجيل نشره.

واليوم، مع تزامن مجموعة من الوقائع، قررت نشره.

تتعلق الواقعة الأولى بالنشاز والاختلال البيِّن، لمجلس المنافسة، والتي اختتمت بمبادرة ملكية، تجلت في تشكيل لجنة للبت في مشاريع القرارات المختلفة [1] للمجلس المذكور. هذه الواقعة، تبين، إذا اقتضى الأمر، أن مسألة الاحتكار والريع لا تزال بعيدة عن الخضوع للقانون.

لا يمكن المساس بمصالح جماعات الضغط وكبار الملاكين. علينا أن ننتظر إلى ما لا نهاية!!

أما الواقعة الثانية، فهي تخص المؤتمر الصحفي المشترك بين 3 قادة من 3 أحزاب (أي حزب الاستقلال، حزب الأصالة والمعاصرة، وحزب التقدم والاشتراكية) المنعقد بغرض تقديم مذكرة حول سير الانتخابات المقبلة. [2]

إذا كان هناك بين طرفين (أي حزب التقدم والاشتراكية وحزب الاستقلال) عدد معين من الروابط، نظرًا لتاريخ كل واحد منهما، فلا شيء يرجح أن يكون للثالث (أي حزب الأصالة والمعاصرة) تماسك سياسي أو برنامجي مع الحزبين المحسوبين على الحركة الوطنية.

ويستمر العبث [3] !!  

لقد كنت شخصياً من ضمن مَن أيدوا فكرة التقارب بين حزب التقدم والاشتراكية وحزب العدالة والتنمية، غداة الانتخابات التشريعية التي جرت بتاريخ 25 نوفمبر 2011.

اليوم، لا أتردد في تقديم نقد ذاتي. كان هذا التحالف غير الطبيعي، على الرغم من أهمية حجتي في ذلك الوقت، خطأ أو ربما فشل حزب العدالة والتنمية أو لم يرغب أن يرقى إلى مستوى تلك الفرصة التاريخية. لقد تبين أن قادته مجرد سياسيين اتسمت ممارستهم بالكثير من الجشاعة وبالقليل من الكفاءة. فكانت النتائج كارثية.

من جهة أخرى، إن القرار المتخذ من طرف السلطة، القاضي بمنع التنقل من وإلى 8 مدن، والمعلن عنه بضع ساعات قبل تنفيذه، وكذا عدم إلغاء عيد الأضحى، كلها إجراءات تشكل قمة العبث، وقلة احترام المواطن، بل واعتباره لا شيء.

فيما يخص عيد الأضحى، كان من الممكن تعويض الفاعلين في قطاع تربية المواشي، لأن كلفة هذه العملية هي أقل بكثير من كلفة انتشار هذا الوباء الفتاك.

لذا، فإن إغلاق 8 مدن، بهذه الصيغة، وعدم إلغاء عيد الأضحى في ظروف الجائحة، كان خطئا لا يغتفر.

وأخيرًا، فإن أكثر الأعمال إزعاجا والتي تبعث على الحزن إنسانيًا، وعلى التيئيس سياسيًا، هو مجموعة المشاهد التي ميزت سوق رحبة حي الحسني في الدار البيضاء، عشية عيد الأضحى.

وثمة واقعة أخرى، لا تقل خطورة، تمثلت في سرقة المعدات والأغطية وكل شيء خفيف وقابل للنقل وذو قيمة، من قبل مرضى مستشفى بنسليمان بعد شفائهم.

إن الفقر و/أو الجشع لا يفسران مثل هذه السلوكيات. إن اختفاء القيم وانحلال العلاقات الاجتماعية قد وصل إلى حد نسْفِ الحد الأدنى من التماسك الاجتماعي. وهذا يكشف الكثير عن هشاشة الكيان المغربي.

بعد إفلاس المدرسة، والنكسة الاجتماعية، والمأساة "الغذائية" والرمزية، يبدو أن الأمل تضاءل إلى حد كبير.

حقا، لا يجب أن نضخم من هذه الواقعة، ولكن لا يجب الاستهانة بها أيضًا.

تجنبا لكل عمل تنظير لحالة اجتماعية منعزلة، مرتبطة بالظروف المحلية للسوق، فهذا لا يمنع من اعتبارها مؤشراً رمزيا للغاية وعرضًا يكشف عن الوهن السائد والكآبة المتفشية.

وصحيح أيضا أن عواقب أكثر من ثلاثة أشهر من الحجر الصحي، سـاعدت على تفشي مثل هذا السلوك.

لكن الإقرار بهذا الواقع فقط والامتناع عن تصور أكثر عمقا، يدل على سذاجة لا يمكن تبريرها وعلى غياب الوضوح في فهم تطور الوقائع الاجتماعية والسياسية وتطورها وتفاعلها الضروري.

إن هذه الواقعة، إلى جانب كل مظاهر أزمة البلاد، دليل على الركود العام السائد، المرتبط بإفلاس المدرسة ونموذج التنمية والأزمة السياسية العميقة.

وصحيح كذلك أن هذه مجموعة من الوقائع متفرقة لا علاقة مباشرة بينها.

لكن، إذا نظرنا إليها بصورة تفاعلية ومجتمعة، في سياق الأزمة التي سادت في المغرب منذ أكثر من 25 سنة على الأقل، يمكنها أن تنذر بوضع من الصعب السيطرة عليه.

هذه الوقائع، هي مجرد شرارات، ولكنها لا تلخص وحدها واقع المغرب الاجتماعي والاقتصادي والسياسي.

لا يزال الهوس الذي راودني قائما. هوس يتمثل في أن التغيير في المغرب قد يكون ضربا من المستحيل. أو ربما لا تزال سبله غير قابلة للإدراك والفهم.

هذا التصور العام يطبعه نوع من التشاؤم. إلا أن معاينة الوضع الدولي، الذي تميز باحتجاجات وحركات تمرد في أكثر من 40 دولة، بما في ذلك الدول المتقدمة والديمقراطية (فرنسا والولايات المتحدة)، بسبب الظلم الاجتماعي ووضاعة وإفلاس الساسة والسياسات، يبرر إلى حد ما هذا التشاؤم

 

 

 

=========

أعيش في بلد حيث...

أعيش في بلد به كل مظاهر دولة تسير بشكل عادي،حيث أن الأمن "مضمون" إلى حد ما، والأوراش منتشرة هنا وهناك، والهاتف متوفر،والقطار قد يوصلك إلى وجهتك، وإن ببطء. 

هذا، على الأقل، بالنسبة للمواطن المغربي الذي يكذب على نفسه أو على الزائر غير الفطن أو السائح الذي لا يغادر حافلته أو فندقه...أما الواقع، فهو مختلف تماما.

فالبنايات لم تحقق أبدا التنمية، ولا ملابس البهرجة الحضارة!!

قد يميل البعض إلى الظن أن الكلمات التالية تعبر عن شعور رجل في السبعينيات من عمره يغلب عليه الحنين إلى الماضي، أو أنه منزعج ومنفصل تمامًا عن واقع بلده.

ربما!!

آمل أن أكون مخطئا.

 

=========

أعيش في بلد حيث ...

 

في خطاباته الأخيرة بمناسبة افتتاح الجلسات البرلمانية وخطابات عيد العرش، وضع الملك إصبعه على الآفات التي تعيشها بلادنا. أحيانا، يرجع ذلك إلى إفلاس الإدارة والعدل والمدرسة، وأحيانًا إلى أزمة الأحزاب السياسية والسياسة، ليختم بملاحظة لاذعة تتعلق بإفلاس النموذج التنموي (تحدث بشكل ملطف عن نموذج "غير ملائم" لتلبية احتياجات مواطني هذا البلد).

ومع ذلك، لم يتم اتخاذ أي إجراء حاسم لوقف الانحدار والانحلال والفوضى التي تلوح في الأفق.

تم الإقرار بالملاحظة المريرة بخصوص النموذج التنموي في عام 2017. وكان علينا أن ننتظر أكثر من عامين، ليتم الإعلان عن تشكيل لجنة خاصة بالموضوع.

كما لو أن مسألة التنمية هي مسألة لجنة!!!

وقد لاحظنا نفس الشيء بالنسبة للمدرسة، قبل بضع سنوات، حيث تم تشكيل اللجنة الخاصة بالتربية والتكوين، واتُّخذت إصلاحات مختلفة والعديد من المخططات الاستعجالية، وغيرها، وبعد أكثر من 20 عامًا، وصلنا إلى طريق مسدود!

 

الأزمة مغربية-مغربية:

منذ ما يقرب من 30 عامًا (البيان 18 فبراير 1992)، كتبت مقالة عن الأوضاع في البلاد تحت عنوان: "الأزمة المغربية–المغربية"، وجاء فيه ما يلي:

"المال وحده هو المهيمن على كل شيء. وأصبح الفساد ممارسة عادية إن لم نقل قاعدة قانونية. وزحف الإقصاء إلى أن أصبح مستشريا. كما، أصبحت الثقة عملة نادرة، وسيطر الإحباط على أكثر الناس تفاؤلا والأكثر مقاومة للوضع القائم. وأضحت المعرفة حكرا على النخبة، والجهل والظلامية من نصيب الأغلبية الساحقة. وأخيرًا، أصبح السياسي، الفاقد للمصداقية والغارق في الميوعة، عاجزا على مواجهة ضخامة المهمة وتعقيدها وعلى إنجاز العمل المنوط به. هذه هي النقاط البارزة للأزمة التي لا تزال مستمرة وتتعمق. بالإضافة إلى المشكلات المتعلقة بالضغوطات الخارجية، فإن الأزمة داخلية أيضاً: مغربية-مغربية"[4]

 

===========

 

أعيش في بلد حيث...

 

أعيش في بلد لم تعد فيه سارية المفعول أعمال الرافعات الثلاث للقيم ومقاييس القواعد والأخلاق العامة، ألا وهي الأسرة والمدرسة والفضاء العام. فأصبحت القيم المضادة هي التي تتحكم في سلوكياتنا. !!!

أعيش في بلد تكاثر فيه عدد الراغبين في الهجرة، وافتقد فيه الناس لذة العيش، وضاقت به قدرتهم على التنفس، وتضاءل الأمل. لماذا؟

أعيش في بلد تتجاوز فيه مجمل مؤشراته الاجتماعية والاقتصادية المرتبة المائة، بعد 64 عامًا على استقلاله !!

أنا في بلد حيث السياسة لا تثير الاهتمام ولا الثقة منذ مدة طويلة؛

أنا في بلد لم يعد فيه الخطاب العمومي يجذب الناس.

أعيش في بلد حيث الحرية والفكر مقيدان أو تحت وصاية إيديولوجية ودين وثقافة ماضوية ورجعية. أعيش في بلد أصبح فيه التدين خانقًا، بينما سلوك الناس هو على النقيض تمامًا لما ينادون به ويذيعونه وينشرونه بوقاحة!!

أعيش في بلد لم يختف فيه بعد مفهوم المعتقلين السياسيين من القاموس السياسي.

أعيش في بلد حيث بعض أحكام القانون الجنائي، المتعلقة ببعض الحريات، تلقي بثقلها على المواطن المغربي مثل سيف داموقليس Damoclès، مما يجعله مذنبًا مع وقف التنفيذ (ومن هنا تأتي الدعاوى المرفوعة ضد قضايا "الزنا" والإجهاض، ولكن بطابع وخلفيات، وحسابات سياسية في الأساس).

أعيش في بلد حيث أن المثقفين المغاربة، الذين عاشوا في مناخ قاسي، استطاعوا، رغم كل الصعاب، أن يقاوموا لبعض الوقت، لكنهم، كما لو أصيبوا بالشلل، واستسلموا أخيرًا لواقع العالم وواقع بلدهم.

تعود استقالة\استسلام المثقف، جزئياً، إلى أزمة السياسة والقيم، وإلى افتقاد المعنى.

إن الحكم المعتمد على أشخاص دون كفاءات أو "الميديوقراطية" (médiocratie آلان دينول Alain Deneault ) ، استتب في البلاد لفترة طويلة وهو ليس مستعدا للرحيل.

أعيش في بلد أصبح فيه الغباء يفكر ... وحيث تكاد تكون القدرة على التواصل وإمكانية العيش المشترك غير متوفرة.

 

==========

 

أعيش في بلد حيث...

أعيش في بلد ينتشر فيه الفساد في جميع مجالات المجتمع والدولة...

بالفعل، أعيش في بلد أصبح، في نظر بلد مثل إثيوبيا مرجعًا سلبيا بخصوص الفساد والرشوة، وهي دولة عُرفت قبل بضع سنوات ببؤسها ومجاعتها التي عانى منها آلاف الإثيوبيين؛ وهي اليوم تعتبر دولة تحقق معجزة في ميدان التنمية ...

أنا في بلد يُعتبر فيه شعبه الأكثر غشًا وفسادًا في العالم. (دراسة بريطانية).

أنا في بلد حيث توضع القواعد لكي يتم خرقها، وتُبرز الفضائل فقط للحفاظ على المظاهر وعلى وضع اعتباري معين لكثير من المخادعين والمنافقين، الذين يعتمدون صيغة "كما لو" قاعدة لسلوكهم اليومي.

صحيح أن المغرب ليس سوريا (الحالية)، ولا باكستان ولا كولومبيا بابلو إسكوبار (ولا هو في حالة بلدان أخرى في أمريكا اللاتينية وأفريقيا).

متى سنتوقف عن إثارة فزاعة حالة الحرب في الشرق الأوسط للاستمرار في تجنب الإصلاح؟

إن السياسيين وأصحاب القرار يجتهدون في تقديم تبريرات واهية، كقولهم أن الأوراش منتشرة في جميع أنحاء المغرب تقريبا.

إذن، لماذا مواصلة التعبير عن الانتقادات وعن هذه النظرة القاتمة؟

كما قلت من قبل: البنايات لم تحقق أبدا التنمية، ولا ملابس البهرجة الحضارة!!

السؤال الذي يتطلب الجواب، يتعلق بمن سيدير تلك الأوراش، إذا لم تكن هناك كفاءات تأتي من منظومة تعليمية  من مستوى جيد. والملاحظ أن التراجع في جودة الخدمات ملموس منذ 20 عامًا على الأقل في جميع القطاعات، بما في ذلك القطاع الخاص، الذي من المفترض أن يوفر خدمات بالجودة اللازمة.

لقد شهد المغرب زيادة مطردة في الناتج المحلي الإجمالي لسنوات، لكن لفائدة من؟

في الواقع، الفقر ما انفك يتزايد ويتسع [5].

إن تدهور المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية هو أفضل دليل على ركودنا العام وعلى انتشار كآبتنا.

وطالما احتكر أصحاب السلطة والمعرفة والأصول الثروة، فلا يمكننا الحديث عن التنمية والعدالة الاجتماعية. في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك البلدان المتقدمة والديمقراطية، تستحوذ أقلية أوليغارشية على ثروة البلاد وتستفيد وحدها منها !!

2. أحلم ببلد

أحلم ببلد يتمتع فيه مواطن "المركز" و"الهامش" بنفس الحقوق أو على الأقل نفس شروط البداية للتطلع إلى نفس الوضع الاجتماعي والاقتصادي.

أحلم ببلد تُحترم فيه حقوق المواطن دون الحاجة إلى اللجوء إلى العلاقات أو المعارف من أجل تحقيقها.

أحلم ببلد تشتغل فيه الإدارة والعدالة بشكل عادي دون تدخل أو فساد.

أحلم بدولة يتمتع جواز سفرها بقيمة دولية وحيث تمتلك الدولة الوسائل اللازمة لفرض المعاملة بالمثل في مسألة التأشيرة.

شتان بين القول والفعل. هذاصحيح. عندما تكون تابعا للغير، تكون القدرة على التفاوض محدودة للغاية.

هل يجب أن نستمر، إلى الأبد، في الاستسلام لموازين قوة مُهينة تُسقط كرامتنا إلى أدنى درجة؟

أحلم ببلد تسمح فيه المدرسة، بعد إصلاحها وتطوير كفاءات أطرها، بتحسين أوضاع المهمشين والمقصيين، وتساهم بالتالي في تحقيق الارتقاء والتماسك الاجتماعيين.

أحلم ببلد حيث تكون الغالبية العظمى من نخبته، وخاصة من يمسكون بمقاليد السلطة، مفعمة\ متشبعة بالروح الوطنية، بدلاً من السعي وراء الجنسية المزدوجة!!

أحلم ببلد تتجه فيه النخبة، التي لم تنحز إلى السلطة بعد، ولم تتحالف معها، إلى الصحوة من سباتها، والوعي بخطورة استسلامها، وتتقدم بمشروع مجتمعي جرئ لإنقاذ البلد.

أحلم ببلد يسعى فيه المثقف إلى القيام بدوره ويتحمل مسؤوليته في ذلك. في تاريخ أي مجتمع، كان المثقفون دائمًا مرشدين ورائدين وموجهين ... من خلال إنتاجهم للأفكار يتطور جزئيًا المجتمع ويتقدم.

أحلم ببلد تتوق فيه غالبية كفاءاتنا وطلابنا المتكونين في الخارج للعودة إلى حظيرة الوطن، بدلاً من البحث عن أي ذريعة للبقاء في المنفى.

 

حاجيات صغيرة وتافهة للغاية، ولكنها ضرورية لحياة هادئة وسعيدة؟

لا تتحقق سعادتي إلا في بلدي

أنا مقتنع بأن كل المغاربة تقريباً يعتقدون ذلك؛ ومن تصرفوا أو يتصرفون بشكل مغاير، لم يمنحوهم حكام بلادنا أي خيار.

أحلم ببلد حيث يمكنني أن أمتد على عشب حديقة وأخلد إلى الهدوء نفسي دون أن أشعر بالخوف من (أنني قد) التعرض للاعتداء أو التحرش.

أحلم ببلد يمكنني فيه احتساء كأس الشاي والاستمتاع بالقهوة دون أن يزعجني عدد كبير من المتسولين وأنواع شتى من الباعة المتجولين.

أحلم بدولة لا أضطر فيها إلى إغلاق نافذة سيارتي عند كل مفترق طرق.

أحلم ببلد لا يُعد فيه الهدوء والسكينة والرفاهية حلما، بل حقيقة حية.

ما العمل؟

في مقال نُشر مؤخرًا على منصتي مجلتنا [6]، اقترحنا بعض السبل لتجاوز هذا المأزق:

1.     "لا ثروة إلا بالإنسان": المدرسة

إن تقديم تعدد الأوراش كدليل على التغيير هو تعبير عن سذاجة قاتلة.

ما الذي يمكن عمله في الأوراش عندما لا نتوفر على رجال ونساء مكونين على التدبير السليم للمقاولات المنبثقة عن هذه الأوراش؟

لذلك، تُطرح مسألة المدرسة. المدرسة الجيدة.

"لا ثروة إلا بالإنسان"، حسب جان بودان Jean Bodin، الفيلسوف والمنظر السياسي الفرنسي الذي عاش في القرن السادس عشر.

في الآونة الأخيرة (1979)، كانت هذه المقولة أيضًا عنوان كتاب للحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد، الأمريكي ثيودور شولتز Theodore Schultz (1979)،.

فيما يخص هذا القطاع بالذات، قامت السلطات العمومية، منذ 30 عامًا، بكل شيء لتدمير المدرسة !!

سياسة التعريب التبخيسية، أسلمة البرامج والدروس، تهميش وإذلال المُدرّس؛ وذلك، على خلفية غياب واضح لسياسة عمومية للمدرسة.   

قال مؤسس سنغافورة، لي كوان يو Lee Kuan Yew  (توفي عام 2015)، عن معجزة بلاده: "لست أنا من صنع المعجزة، لقد عززت فقط مكانة المعلم. وهذا الأخير، هو من صنع المعجزة ".   

تسمح المدرسة الجيدة، بالإضافة إلى التعلُّم\التكوين عبر التدريب، بالارتقاء الاجتماعي، والعيش الودي، والتماسك الاجتماعي، والحد من العنف، وإمكانية العيش المشترك، والسلم الاجتماعي...وكذا بالسعادة والرغادة. هذا ليس حلما، لأن هذا الواقع موجود في بلدان أخرى. وهذا ممكن.

فيما يتعلق بالمدرسة والمعرفة، يؤكد الفيلسوف ميشيل سير Michel Serres على أهميتهما في أي سياسة للنمو والتنمية: "المعرفة هي إذن تبادل رائع: إنها تنمو في كل مرة أكثر بكثير من المال. هذا هو السبب في أن التعليم أسمى بكثير من الاقتصاد. التعليم هو الأداة السحرية التي تضيف القيمة لكل شيء، لأنه في كل تبادل، نحصل على النمو، بدلا من تحقيق التوازن فحسب". [7]

في مواجهة إفلاس المدرسة العمومية، تم تشييد ملاعب القرب؛ هذا نوع من إلهاء الناس وتحويل المساحات الخضراء لِرُوض لرعاية الراشدين!!

لاستعادة الثقة، والحد من العنف في المجتمع، وإثارة اهتمام المستثمرين وإطلاق الإشارة، علينا إذن استثمار كل شيء في المدرسة الجيدة.

هذا ليس مجرد شعار. وإنما هو قضية مستعجلة.

 2. مجتمع الثقة

في كتاب جدير بالاهتمام، يقدم وزير ديغول السابق، آلان بيرفيت Alain Peyrefitte ، وصفة ويضع الشروط الضرورية للتنمية، حيث يقول:

 »من آدم سميث Adam Smith وكارل ماركس Karl Marx إلى ماكس ويبر Max Weber وفرنان بروديل Fernand Braudel ، كان هناك تساؤل مستمر عن أسباب  " ثروة الأمم " أو فقرها. وقد أعطى معظم المفكرين الأولوية للتفسيرات المادية: رأس المال، والعمل، والموارد الطبيعية، والمناخ. أو ليست العقليات والسلوكيات هي العامل الرئيسي للتنمية – أو التخلف؟ «. [8] 

من خلال مقارنة المجتمعات الكاثوليكية اللاتينية والمجتمعات الأنجلوسكسونية ذات الغالبية البروتستانتية، نلاحظ اختلافا كبيرا: بالإضافة إلى موقف هذه الأخيرة الخاص للغاية تجاه المال والتمويل والنجاح، يعد عنصر الثقة قاعدة أساسية.

وتعتبر العدالة والتربية عبر القدوة أدوات أساسية لتمكين جميع الناس من استعادة الثقة.

 

3-    السياسة بطريقة مغايرة

" يجب إعادة النظر في العلاقات التي ميزت السياسة لأكثر من أربعة عقود وإعادة تحديدها. ما ساد حتى الآن أصبح يُحسب على العصور الغابرة للسياسي. لقد عرف العالم تغيرا عميقا للغاية. وبدوره تغير المجتمع المغربي بشكل كبير. إن الاستمرار في تجاهل الزمن خطأ فادح"[9]. هذا ما قلته 30 عامًا من قبل في المقال المذكور أعلاه.

النظام الملكي هو إسمنت ضروري لاستقرار البلاد، لا ينبغي له أن يتحول، بسبب النزاعات بين مختلف مراكز السلطة والمرافق والأجهزة، إلى  عائق في وجه التنمية.

 

 

ثلاثي فاضل

يجب إعادة النظر في العلاقات بين المركز و"الأطراف"، بين المغرب "النافع" والمغرب "غير النافع"، من حيث مراعاة الاحتياجات الأساسية والاعتراف بالمواطنة الكاملة للسكان.

كما يتطلب الوضع سياسة تنموية شاملة (تصنيع حقيقي مستقل تماما عن تعليمات وشروط البنك الدولي – المذكرة الأخيرة المقترحة في عام 2017، والتي تشكل إهانة حقيقية ورغبة في حصر المغرب في دور دولة تقدم الخدمات – وصندوق النقد الدولي) وخيارا جذريا من أجل نظام تعليمي من مستوى رفـيع.

وأخيرًا وليس آخرًا، يجب وضع حد للصدام بين مراكز السلطة المختلفة التي، من خلال تحييد بعضها البعض، تشل البلاد وتمنع أي تقدم، وبذلك عبر تنظيم أفضل لأجهزة الدولة.

في عصر الأنترنيت والصورة والتواصل، لا يمكن لهذا الوضع أن يستمر إلى أجل غير مسمى.

بين المحافظة على الوضع القائم والتغيير الجذري، الطريق إلى الإصلاح موجود،علينا ببساطة أن نريد اتباعه.

يجتهد البعض في دعوتنا لمقارنة المغرب بدول أفريقيا جنوب الصحراء؟ إن هذا الطموح لا يرقى إلى مستوى تطلعاتنا.

وهناك آخرون، أكثر خطورة، يشهرون، من خلال الخطابات والإشارات اللاشعورية، الوضع في الشرق الأوسط، من أجل غرس الاستسلام ولدعوتنا للاعتدال في مطالبنا والانصياع للحد الأدنى !!

بين الاستقرار والإصلاح لا يجب أن نختار، بل علينا أن نعمل على تحقيقهما معا. حقا، المهمة جسيمة، إلا أنها ممكنة وقابلة للتحقيق، إذا ما توفرت الإرادة السياسية.

فعلا، القول بهذا أسهل من إنجازه، ومع ذلك، هذا ما يجب علينا فعله إذا أردنا تجنب الفوضى العارمة.

إلا إذا بنى الحكام أملهم في الاستقرار على  أساس التحول الديموغرافي !! بالفعل، خلال عشرين عاما سينخفض الضغط الديموغرافي، وبالتالي سيتقلص الطلب الاجتماعي وستتحرر السلطات متحررة من الإكراهات !!

إذا كان هذا هو حسابهم حقًا، فهو (حساب يطعن في الأعراف)  تصور مكيافيلي. لكن لا عجب من هذا الوحش البارد الذي هو الدولة (ف. نيتشه F. Nietzche) [10]. وبهذا، يمكن القول بأنهم ربما يتفقون مع أحد ساسة الثورة الفرنسية، لويس أنطوان ليون دي سان جوست Louis Antoine Léon de Saint-juste  في قوله : "كل الفنون أنتجت الروائع، ماعدا فن الحكم الذي أنتج فقط الوحوش ".

بتاريخ 42 يناير 2020

(ذكرى الحظر المفروض على الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، 24 يناير 1973)

فاتح غشت 2020  

 

الهوامش

[1] -بخصوص مختلف الاختلالات والمؤاخذات على رئيس المجلس وتشكيل اللجنة، راجع:

Mustapha Sehimi, "Conseil de la concurrence : dysfonctionnement ? oui mais"... https://www.facebook.com/Quidma/photos/a.342764979175732/1099701253482097

https://www.lebrief.ma/6990-entente-entre-les-petroliers-nouvelle-commission-denquete-constituee-par-le-roi?page=1

[2] -راجع:

Fahd Yata, " Le trio improbable" , https://lnt.ma/vie-politique-un-trio-improbable-mais/

 

[3]-حول بُعد "العبث"، راجع مؤلفي: "السياسة، الديمقراطية والرمزية"، الصفحات 102-122، وخاصة 107-122،  ترجمة ذ. نور الدين سعودي..

[4]-راجع موقع مجلتنا:

www.sciencepo.ma

(يتعلق الأمر بمقتطف من مقال صدر في 18 فبراير 1992، بجريدة "البيان")

[5]-حول مسألة الفقر بالمغرب، راجع عدد مجلتنا:

 "La pauvreté au Maroc", N° 11, Novembre/décembre 2018, Volume XVII

 [6]-المجلة المغربية للعلوم السياسية والاجتماعية:

الموقع:

www.sciencepo.ma

وصفحة المجلة على الفايسبوك

[7]- راجع:

Du bonheur aujourd’hui, Ed. Le Pommier, 2015, p. 45

[8]- مقتطف من الصفحة الرابعة من غلاف كتاب :

"La société de Confiance, Essai sur les origines et la nature du développement" d’Alain Peyrefitte, Éditions Odile Jacob.

[9] - راجع موقع المجلة

www.sciencepo.ma

(مقتطف من مقال صدر في جريدة البيان عدد 18 فبراير 1992)

[10] -راجع:

  Friedrich Nietzsche, "Ainsi parlait Zarathoustra" , Ed. Gallimard,1971.507 pages, p.66.

 


Libellés :

Publier un commentaire

[blogger][facebook][disqus]

Cress Revue

{picture#http://store4.up-00.com/2017-07/149982714684611.jpg} Revue marocaine des sciences politiques et sociales, Dossier "Economie politique du Maroc", volume XIV, Hors série. Les auteurs du volume n'ont pas hésité ... {facebook#http://facebook.com} {twitter#http://twitter.com} {google#http://google.com} {pinterest#http://pinterest.com} {youtube#http://youtube.com} {instagram#http://instagram.com}

Formulaire de contact

Nom

Adresse e-mail *

Message *

Fourni par Blogger.