حوار مع الأستاذ الدكتور نجيب أقصبي نشرته صحيفة الأيام الأسبوعية حول وضعية الاقتصاد المغربي







الاقتصادي و الاستاد الجامعي نجيب أقصبي ل"الأيام"

على ضوء خطاب والي بنك المغرب و فشل السياسات العمومية: 
ما أحوجنا في ربط المسؤولية بالمحاسبة!

-         قدم والي بنك المغرب عبد اللطيف الجواهري قبل أيام بالبرلمان، صورة "سوداوية" عن وضعية الاقتصاد الوطني، ماذا يمكنك أن تسجل بشأنها؟

** مضمون مداخلة والي بنك المغرب تنطوي على مفارقتين غريبتين، أولهما أنه في الوقت الذي تسوق الحكومة خطابا متفائلا يقلل من تداعيات جائحة كورونا على الاقتصاد الوطني، قدم والي بنك المغرب، وهو مسؤول عمومي ويقود مؤسسة دستورية خطابا مناقضا، يجعلنا نتساءل معه: من كان مسؤولا عن السياسات الاقتصادية والمالية القائمة في هذا البلد منذ أربعين سنة؟

المفارقة الثانية، أن المسؤولين المغاربة اعتادوا منذ عقود أن يُعلنوا في اللحظة الآنية أن الأمور على ما يرام، حتى إن كان الجميع يعتقدون عكس ذلك ويستشعرون وجود أزمة... ثم يأتوا هم أنفسهم، و لكن بعد مضي ثلاثين أو أربعين عاما، ليقولوا بدون أدنى حرج إن الوضعية كانت في السابق سيئة. فالناس يتعرفون على الحقيقة على لسان نفس المسئولين و لكن بعد أربعين سنة!

هذا الخطاب الغريب والمتناقض لوالي بنك المغرب هو من أجل تبرير سياسته المحافظة في المجال النقدي منذ عقود، إذ كلما ارتفعت الأصوات المطالبة بتطبيق سياسة نقدية مرنة يخرج الرجل ليقول إنه عاش سياسة التقويم الهيكلي التي خلفت في نفسه صدمة كبيرة لا يريد أن يعيشها مجددا، خاصة أن الدائنين كانوا يرسلون إليه موظفا من الدرجة الثالثة ليفرض عليه ما يجب فعله...

اللافت للانتباه، أن هذا المسئول الذي يقول كل هذه الأمور، هو نفسه الذي كان يدافع عن التقويم الهيكلي خلال الفترة السابقة، لما كانت المعارضة آنذاك تعتبر الوضع كارثيا وأن التقويم الهيكلي سياسة خاطئة و ليس مخرجا من الأزمة. طبعاً أنا أتكلم هنا عن المسؤول وليس الشخص الذي هو كأي شخص يستحق الحترام.

ولكي نتكلم على الحاضر، الحقيقة غير الخافية اليوم أن المغرب يعيش في العشرية الأخيرة أزمة عميقة، بل دعني أقولها وأتحمل المسؤولية: إن المغرب يعيش منذ 2012 و بالخصوص منذ التوقيع مع صندوق النقد الدولي ما سمي ب"الخط الائتماني"، المغرب يعيش إذن تقويما هيكليا مُقَنَّعًا، فَقَدَ إثره سيادته على سياساته العمومية.

 

-         لكن الوضع مختلف اليوم عما عاشته المملكة في ثمانينيات القرن الماضي، بغض النظر عن الأزمة الطارئة جراء جائحة كورونا، هل تنكر ذلك؟

** من يدعي أننا نعيش في هذا المجال وضعا مختلفا عما عشناه في ثمانينيات القرن الماضي فهو مخطئ، لأن التقويم الهيكلي في الحقيقة لم يتوقف أبدا، وإلا مَن فرض علينا الخطوط العريضة للسياسات العمومية التي شنَّتها الحكومات المتتالية منذ ذلك الزمان؟ مثلا: مَن طلب مِنَّا توقيع اتفاقيات التبادل الحر و التي يعاني اقتصادنا من عواقبها إلى اليوم؟ و مَن فرض علينا الخوصصة التي يمكن النظر إلى بعض تداعياتها اليوم في مأساة "لاسامير"؟ ثم مَن فرض علينا "المغادرة الطوعية" التي أفرغت الإدارة المغربية من كفاءاتها؟ و مَن فرض علينا التقشف في ميزانية قطاعي الصحة والتعليم اللذين وصلا إلى الوضع المأساوي الذي نعاني منه يوميا؟ مَن فرض علينا التحرير الكارثي لقطاع توزيع المواد النفطية و التي يؤدي المواطن يوميا كلفتها إلى يومنا هذا؟ مَن فرض علينا التحرير, و لو تدريجيا، لنظام الصرف و سعر الدرهم، و الذي سنعاني من عواقبه خلال السنوات المقبلة؟

هناك أمثلة لا حصر لها عن هذا الواقع الذي يبرهن على أننا فقدنا منذ زمان سيادتنا على سياساتنا العمومية و اختياراتنا الأساسية، و الذي يجعلني أقول بدون مبالغة إن المغرب يعرف وضعا أصعب و حتى أكثر إهانة مما كان عليه في الثمانينيات، ولكن طبعاً المسئولين كالعادة لن يقولوا الحقيقية اليوم، و علينا أن ننتظر ثلاثين أو أربعين عاما ليعترفوا لنا بذلك!...

ومما يجعلني أعتبر أن الوضع الاقتصادي اليوم قد يكون أسوأ من الأمس، حجم الإهانة التي نتعرض لها من الاتحاد الأوروبي في قضية ما يسمى ب"اللائحة الرمادية للملاذات الضريبية"، حيث يصنف المغرب في هذه اللائحة بسبب اختيارات فُرضت عليه في السنوات السابقة من طرف نفس الدول و القوى، مثل الإعفاءات الضريبية للمستثمرين وخلق مناطق حرة... لكن بعد أن ظهر أنها لم تعد تتماشى مع مصالحهم ومصالح شركاتهم، أصبح الأوروبيون يضغطون على المغرب بوا سطة هذه "اللائحة" من أجل تبني إجراءات وسن قوانين جديدة، كما حصل في إعادة تنظيم القطب المالي للدار البيضاء.

والمعلوم أن مصلحة الأوروبيين والأمريكيين لم تعد اليوم في توزيع وحداتهم الإنتاجية على مجموعة من الدول(délocalisations)  و التي كانت تتعرض لضغوط من أجل أن تفرض امتيازات، خصوصاً ضريبية، لصالح شركاتهم. و اليوم و قد تغير الوضع عندهم، وذلك بفعل النقاش المتنامي لديهم حول علاقة الاستثمارات الأجنبية بالبطالة، والتي أصبحت عندهم قضية سياسية وانتخابية حساسة جدا، حتى أنهم باتوا الآن يعتبرون الامتيازات الضريبية "منافسة غير شريفة". إذن اليوم و قد تغيَّر اتجاه مصالحهم، فهم يمارسون ضغوط متزايدة على المغرب من أجل تغيير تلك السياسة بعينها التي فرضوها عليه في السابق! شخصيا لم أكن أتفق مع سياسة الامتيازات الضريبية عندما جرى تبنيها، لكن اليوم يجب أن ندرك أن الدولة بنت على هته الامتيازات الضريبية نفسها إستراتيجية البلاد الاقتصادية و التي أصبح من ركائزها الانفتاح والاستثمار الأجنبي والتصدير، و بالتالي سيكون من باب العبث إعادة النظر في هذه الامتيازات الجبائية بدون إعادة النظر بصفة جذرية في هذه التوجهات والاختيارات الكبرى لما يسمَّى ب"النموذج التنموي". هذه مسألة انسجام بين الاختيارات الاقتصادية و آليات تنزيلها على أرض الواقع. هل الدولة اليوم مستعدة لإعادة النظر في التوجه نحو الاندماج أكثر فأكثر في العولمة و الاعتماد على الاستثمارات الاجنبية؟ لا أظن و هذا ما ينبئنا بتناقضات و إخفاقات حتمية آجلاً أو عاجلاً...

لكن يبقى السؤال المطروح، هو إلى أي حد يستطيع المغرب الصمود في وجه ضغوط الاتحاد الأوروبي ولوبياته، وتجنب تعرضه للإهانات المتوالية، مثل ما حصل في ماي 2019 عند تنظيم المناظرة الوطنية للجبايات التي ناقشت قضايا تهم الإصلاح الضريبي، وكان من ضمن المتدخلين في الجلسة الافتتاحية مسئول الاتحاد الأوروبي في السياسات المالية الذي قدم إملاءاته للمغاربة بوقاحة وتعالٍ (و كأنه في مستعمرة!)، إملاءات المتمثلة في التخلي عن الامتيازات الضريبية كما يريدها التحاد الأوروبي... فهل توجد إهانة أكبر من هذه الإهانة؟

ومما يعكس الصورة التي ينظر بها الأوربيين للمغرب أنهم لا يعملون حتى بمنطق "اللي غلب يعف"، فرغم تبنيه نحو 90 في المائة من الإجراءات المطلوبة منه في قانون المالية لهذا العام، فإنهم لم يخرجوه إلى حد الآن من "اللائحة الرمادية للملاذات الضريبية" لكي يستمروا في ابتزازه أكثر فأكثر، علما أن المغرب لا يعد أي قانون المالية دون التقاط إشارات "الرضى" من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي...

وحتى نكون منصفين في تحليلنا وكي لا نُحَمِّل كل أخطائنا للآخرين، يجب الاعتراف بأن "الشمال" يفرض علينا إملاءاته لأنه يجد بيننا من يستجيب ويتحمس لها، لذلك فالمشكل يتمثل في وجود طبقة سياسية معزَّزة بتقنوقراط يعمدون على التطبيق الحرفي لما يملى عليهم. هذا هو الوقع المُر و الذي لا يمكن التَّستُّر عنه...

 

-         ما موقع التقنوقراط من السياسات الاقتصادية المتبعة في بلادنا، وألا تتفق مع الدعوات إلى منحهم فرصة أكبر للتدبير الاقتصادي؟

** التقنوقراط هم أكثر خطورة لأنهم يتحركون بأقنعة... صحيح فيهم أشخاص محترمون، لكني أقصد تحديدا أولئك الذين كانوا مسئولين عن السياسات الاقتصادية والنقدية منذ سنوات قبل أن يبدؤوا اليوم في انتقادها. وفي اعتقادي، أن الحد الأدنى من الأخلاق يفرض من المسئول كيفما كان عدم السقوط في الازدواجية و "السكيزوفرينية"، حيث يقف المسؤول عن السياسة النقدية للبلاد معارضا للسياسات العمومية التي تصوغها الحكومة و التي يدرك جيداً أنها "مُحاصَرة" بالسياسة النقدية المتبعة!

أقول أن التقنوقراط ليسوا "الحل" بل هم جزء من المشكل ، وهم غير مؤهلين لإعطاء الدروس بعد إخفاق جل السياسات التي أشرفوا عليها خلال العقود الماضية و كانوا "أداة" تنفيدها، أقول أداة "لا ذوق و لا طعم" لها لأن الجميع يرى، خلال تكوين الحكومات، كيف يقع اصطباغهم بأي "لون سياسي" من أجل تحملهم المسؤولية الحكومية حسب متطلبات الحسابات السياسوية القائمة، فهم بقبولهم لعب هذا الدور (الأقل ما يقال عنه أنه غير مشرف)، و بعد هذا ببث خطاب مُضَلِّل يستهدف خلط الأوراق، و تكريس الصورة النمطية: "السياسيين إبليس والتقنوقراط الملائكة"! هم إذن بهذه الممارسات يساهمون موضوعيا في إفساد المشهد السياسي لا في إصلاحه...

 و العبث كل العبث حينما يقال لنا بأنه من بين الإصلاحات الضرورية المستعجلة: "الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة"!... وحتى أبقى في حدود اللياقة لن أزيد عن أن المحاسبة يجب أن تبدأ مع والي بنك المغرب نفسه! حيث أنه يحدِّد اختيارات و يطبق سياسات بدون أن يقدم الحساب أو يُساءل من طرف أي مؤسسة منتخبة (بحكم ما يُسَمونه "استقلالية بنك المغرب"...). فأين يربط السيد والي بنك المغرب المسئولية بالمحاسبة؟! هل من المعقول إعطاء دروس في "الحكامة الجيدة" في هذه الظروف؟ ما هي مصداقية هذا الخطاب؟ خلاصة الأمر أنه العبث بعينه أن التقنوقراط الذين لا أحد انتخبهم أو أعطاهم أي ثقة، هم من يقررون في السياسات التي تحدد مستوى عيشنا ومآل الاقتصاد و المجتمع، ولا يساءلون و لا يؤدون الحساب لأي كان، فهل توجد حكامة أكثر سوءا من هذه؟

 

-         في حديثك حملت مسؤولية ما وصل إليه الوضع الاقتصادي إلى السياسة النقدية، كيف ذلك؟

** قبل الإجابة عن هذا السؤال، دعني أؤكد أن موضوع السياسة النقدية عموماً تؤطره نظريتين: أولهما النظرية الكينيزية التي تعتبر أنه يمكن للبنك المركزي في ظروف وشروط معينة أن يمد الدولة والفاعلين الاقتصاديين بكتلة نقدية إضافية، بما يسمح بإعادة النفس للاقتصاد وخلق شروط الإقلاع من جديد ودفع عجلة النمو. ثانيهما النظرية الكلاسيكية التي ترى ضرورة أن تكون هناك معادلة بين الكتلة النقدية المتداولة في اقتصاد معين وكتلة الموارد والخدمات الموجودة في السوق، وتعتبر أن ضخ كتلة مالية نقدية إضافية سينتج عنه ارتفاع الطلب دون ارتفاع العرض مما سيؤدي إلى التضخم، أي ارتفاع الأسعار. كما تعتبر أن السيولة النقدية الإضافية ستدفع المستهلكين أن يشترون المواد من الخارج، مما سيؤدي إلى الرفع من الواردات، وبالتالي عجز الميزان التجاري وفقدان الرصيد من العملة الصعبة الذي سينتج عنه انخفاض العملة الوطنية...

اليوم وفي خضم أزمة كورونا، ظهرت حاجة ملحة لتعزيز وتطوير الخدمات العمومية على رأسها الصحة والتعليم والتغطية الاجتماعية والتجهيزات في العالم القروي، إضافة إلى الحاجة للرفع من الاستثمارات العمومية الكفيلة بخلق مناصب للشغل. كما تأكد أن الفاعل الرئيسي في مواجهة الأزمة هو الدولة وليس القطاع الخاص، بعدما اتجه الكل للدولة بمن فيهم من كانوا مع تقليص دورها. إذن في ظل هذاالظرف العصيب، هناك آليتان يمكن اللجوء إليهما للخروج من الأزمة: الميزانية والسياسة النقدية.

الملاحظة المسجلة، في هذا الصدد، أن الحكومة المغربية تختار دائما طريق التقشف في الميزانية لمحاولة الخروج من الأزمة، لأن اليزانية في الواقع هي الأداة التي بقيت نسبياً تحت سيطرتها... وذلك منذ حكاية "استقلالية البنك المركزي"، إذ ليس هناك أي صلاحية لرئيس الحكومة أو وزير الاقتصاد والمالية لتوجيه طلب للبنك المركزي من أجل مد الخزينة بالسيولة. كل ما تستطيع الحكومة تدبيره في هذا المجال هو السياسة المالية الضريبية والنفقات العمومية. إلا أننا ندرك أن نجاعة السياسات العمومية تكمن في المزج العقلاني و الذكي بين السياسة النقدية من جهة و التي تعتمد على آليات الميزانية (السياسة الجبائية، النفقات العمومية...) من جهة أخرى. المشكل الجوهري حاليا هو أن هذه اللآليات غير منسجمة و لا تنطلق من رؤية شمولية و منسجمة: إما تتضارب بينها و إما تسير في اتجاه الانكماش. كيف ترقب أي نجاعة لهذه السياسات في ظل هذه التناقضات؟ و كيف لوالي بنك المغرب أن يحث الحكومة على "الإقلاع" و النهوض بالاقتصاد الوطني و هو في نفس الوقت، بسياسته النقدية المحافظة، يضغط في اتجاه الانكماش و بالتالي لا يساعد (إن لم نقل يعاكس) أي مجهود في اتجاه الإقلاع؟!

شخصيا، أضم صوتي للاقتصاديين الذي يعتبرون أن الحل بالنسبة للمغرب للخروج من الأزمة يتمثل في تبني سياسة نقدية إرادية ومد الاقتصاد الوطني والخزينة والفاعلين بإمكانيات مالية، خاصة أن هول الأزمة التي تضرب العالم أجمع جعلت حتى الدول الرأسمالية المتقدمة التي ما فتئت تعطينا دروسا في الأرثوذكسية المالية و النظرية الكلاسيكية، تتبنى سياسة نقدية مرنة و مدت خزيناتها بالسيولة الضرورية، بما فيها البنك المركزي الأوروبي والفدرالي الأمريكي والبنك المركزي البريطاني... أي أنها أصبحت أكثر كينيزية من الكينيزيين!

بالمقابل، لما طرح السؤال على والي بنك المغرب، كان جوابه أن هذه السياسة ستؤدي إلى التضخم وتفاقم عجز الميزان التجاري لأن الاقتصاد الوطني مبني على الانفتاح على الخارج... أي أنه أتى بنفس الأطروحة الكلاسيكية المتجاوزة حالياً...

 

-         لكن ما هو ردك على هاتين المسألتين؟ ألا يمكن أن تكون لهما وجاهتهما؟

** أولا، يجب التأكيد على أن النظرية الاقتصادية في هذا المجال كما هو الشأن بالنسبة لتراكم التجارب عبر العالم أفرزا شرطين أساسين إذا وقع احترامهما، فلا داعي للتخوف من المخاطر التي تلوح إليها الأطروحة الكلاسيكية. الشرط الأول هو أن تُوظَّف الأموال الإضافية في الاستثمار و الرفع من القدرة الإنتاجية للمواد والخدمات، كي تقع المعادلة في أقرب وقت بين الكتلة النقدية و كتلة الموارد و الخدمات المعروضة في الأسواق، و بالتالي تجنب ارتفاع الأسعار بقوة. تانياً، يجب أيضاً توجيه الطلب الإضافي الناتج عن ضخ السيولة في القنوات الاقتصادية إلى المقاولات الوطنية و الإنتاج الدَّاخلي عِوض الاستيراد، مما يجنبنا مخاطر ارتفاع الواردات وما ينتج عنه من تفاقم العجز التجاري وتبعاته... إطار النقاش إذن واضح ولا يجوز لأحد أن يخلط الأوراق ليدَّعي ما يشاء. أنا أناقش ضرورة تدخل البنك المركزي من أجل سياسة نقدية مرنة في حدود هذا الإطار، أي في حالة مصاحبة هذه السياسة باحترام الشروط السالفة الذكر.

بالنسبة للتضخم، لا يوجد شخص عاقل ينادي بخلق ملايير الدراهم في غياب الشروط الموضوعية لضخ هذه السيولة في الاقتصاد الوطني، وعلى رأسها أن هذه السيولة يجب أن تُوظف للرفع من إنتاج المواد والخدمات، ولعل ما هو إيجابي في واقع الاقتصاد الوطني حالياً أن عندنا إمكانيات إنتاج غير مستعملة، كما تؤكد ذلك إحصائيات المندوبية السامية للتخطيط،مما يعني أننا إذا تبنينا سياسة نقدية تقوم على ضخ كتلة نقدية في الاقتصاد وتوجيهها للإنتاج فإنها ستعمل حالا على تشغيل تلك الطاقة الغير مستعملة مما من شأنه أن يُعَجِّل بظهور النتائج الجيدة بشكل سريع. كل هذا علماً أننا منذ عشرين عاما تقريبا نسجل معدل تضخم بين 1 و2 في المائة، وإذا انتقلنا إلى مستوى 5 و6 في المائة، فحسنات هذا المستوى ستكون أكبر من سيئاته، لذلك فلا ضرر إذا أدَّت السياسة النقدية التي سيكون متحكما فيها إلى ارتفاع التضخم شيئاً ما...

فيما يتعلق بالمخاوف من توجيه هذه السيولة للخارج، الجواب منطقي لأنه يتلاقى مع إرادة الدولة المعلنة خلال الحقبة الأخيرة للعمل على دعم الإنتاج الوطني بدل الاستيراد، ومنح الامتياز للطلب الداخلي الموجًّه للمقاولات الوطنية، وتطبيق الأفضلية الوطنية... فأين هو المشكل إذا كانت إرادة الدولة حقيقية في هذا المجال؟ بالعكس، ستعطي هذه السياسة سنداً و مشروعية إضافية لهذا التوجه الجديد، و الذي لا محالة سيُقاوَم من طرف لوبيات الاستيراد...

إذن، أعتقد أن الشروط متوفرة لتبني سياسة نقدية مرنة في هذه الظرفية الصعبة، لكن ذلك يبقى متوقفا على تخلي الدولة عن المنهج الأرثوذكسي المتمثل في نهج سياسة التقشف و الانكماش عند كل أزمة، وعدم الرفع من النفقات حتى لا تظهر أنها في حاجة إلى رؤوس أموال. الغريب في هذا الصدد أن والي بنك المغرب يُعلِّل رفضه ضخ سيولة إضافية بكون الخزينة العامة ليست في حاجة لذلك، ما دامت لا تستعمل كل الإمكانيات التمويلية المطروحة في السوق من طرف الأبناك! غريب... ألم ينتبه أن العذر أكبر من الزلة؟! ألم يجد أحداً ليقول له أن المشكل كل المشكل هو تحديداً في كون "عدم حاجة" الدولة في مستوى أعلى من التمويل؟ و أن هذه الظاهرة هي أحسن تجسيد لسياسة التقشف و الانكماش! فما دامت الدولة تحدُّ مسبقاً من نفقاتها و من طموحاتها، فلماذا تريدونها في حاجة لتمويل ضخم؟ أمَّا لو قبلت الدولة تبني سياسة طموحة برفع النفقات بصفة ملموسة كي تتجاوب مع حاجيات الاقتصاد والمجتمع، فطبعاً ستكون في حاجة لرؤوس أموال إضافية مهمة وستحتاج آنذاك للسياسة الإرادية النقدية لبنك المغرب...

و خلاصة القول أن المسؤولين الاقتصاديين المغاربة يقطعون أجنحتهم بأيديهم وبعدها يشرعون في البكاء لأنهم لا يستطيعون الطيران! هم لا يريدون الإصلاحات الضرورية وفي مقدمتها الإصلاح الضريبي وتعديل السياسة النقدية، إذ يختارون دائما الطريق السهل المتمثل في المديونية لتمويل نفقات ميزانية تقشفية غير طموحة، وهذا يعكس غياب إرادة للإقلاع، وللتغطية على ذلك، يأتي "التقنوقراطي-السياسي" الذي هو فوق الجميع، لتقديم "الدروس" للجميع، بمنهجية تذكرني في تلك المقولة التي كنا نتداولها و نحن أطفال: "ضربني وبكا وسبقني وشكا".


Libellés :

Enregistrer un commentaire

[blogger][facebook][disqus]

Cress Revue

{picture#http://store4.up-00.com/2017-07/149982714684611.jpg} Revue marocaine des sciences politiques et sociales, Dossier "Economie politique du Maroc", volume XIV, Hors série. Les auteurs du volume n'ont pas hésité ... {facebook#http://facebook.com} {twitter#http://twitter.com} {google#http://google.com} {pinterest#http://pinterest.com} {youtube#http://youtube.com} {instagram#http://instagram.com}

Formulaire de contact

Nom

E-mail *

Message *

Fourni par Blogger.