المحكمة الجنائية الدولية ... الجرائم المرتكبة فوق التراب الفلسطيني...د. محمد عياط








المحكمة الجنائية الدولية مختصة بمقاضاة الجرائم الدولية

المرتكبة فوق التراب الفلسطيني

تعليق موجز على ملابسات حدث وآفاقه

د. محمد عياط

مستشار خاص للمدعية العامة بالمحكمة الجنائية الدولية

في موضوع التعاون القضائي مع إفريقيا الشمالية والشرق الأوسط

رئيس لجنة معاهدة الأمم المتحدة لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري

 Nous avons reçu de notre ami et collègue Mohammed AYATT , Conseiller spécial du procureur de la CPI,  Fatou Bom BENSOUDA, et Président du Comité de la convention des Nations Unies sur les disparitions forcées, un texte fort pertinent en matière de justice internationale.

 Il s’agit là, sans conteste aucun, d’une contribution forte intéressante ; originale, minutieuse et audacieuse.

 Elle est, en effet, audacieuse car elle porte un sujet sensible à savoir sur les crimes commis par les Israéliens dans les territoires palestiniens

 Elle est aussi minutieuse et très documentée   dans la mesure où elle est fondée sur la requête de la procureure, du jugement de la Cour et de l'opinion dissidente du juge qui n’était pas d'accord avec la majorité des juges.

 Elle est ,  enfin,  intéressante et originale car elle est commise par un homme d’une grande expérience en matière de justice internationale.  

 De surcroît ce texte revêt un triple intérêt ;

  1. Il s’agit d’un commentaire prompt et opportun qui répond à un événement important à partir d'une expérience personnelle, celle très riche de notre ami Mohammed Ayatt, pour éclairer un imbroglio juridique et politique et   dissiper les ambigüités  

 2.Ce texte   rend compte de l'essentiel dans un langage accessible aux non-spécialistes. Sachant qu'il y a des références pour ceux qui veulent avoir d’amples détails.

  3. Cette contribution a comme finalité d’inciter le lecteur à rester vigilant et à ne pas tomber facilement dans le triomphalisme naïf et béat. On aura gagné une bataille. Oui bien sûr sur le plan des principes et c'est un exploit en soi (mais à quel prix d'ailleurs !!!!). Cependant, des défis quasi insurmontables sont encore présents et d'autres encore se profilent à l'horizon. 

 Mais c’est un pas énorme franchi en matière de justice internationale !!

يوم الجمعة الفارط يوم مشهود في تاريخ المحكمة الجنائية الدولية وفي تاريخ النضال الحقوقي للشعب الفلسطيني. وللحاضر دائما علاقة بالماضي واستشراف على المستقبل.

 مرارا استدعيت من طرف المهتمين بقضايا العدالة الجنائية الدولية لكي ألقي محاضرات بشأنها. وقد كان لبعض تلك المحاضرات طابع افتتاحي لسنة جامعية أو المساهمة في محفل علمي يدور حول نفس الموضوع. ومن أواخر تلك الندوات، قبل ابتلاء العالم ومعه بلدنا بوباء كوفيد 19، أذكر لقاءين نظما في مدينة الرباط في 14 دجنبر 2019 و 7 مارس 2020 بمبادرة من الفعاليات الحية للمجتمع المدني المغربي. وقد شاركت في الاجتماعين المشار إليهما ممثلون عن فرق الأحزاب البرلمانية وعدة وزارات وجهات رسمية يتصدرها ممثل عن رئاسة الحكومة. وقد حظر أول تلك اللقاءات وزير الدولة المكلف بحقوق الإنسان شخصيا. وكان موضوع اللقاءين هو القيام برصد دقيق للمواقف حول إمكانية مصادقة المغرب على نظام روما للمحكمة الجنائية الدولية. وذلك في أفق تقريب الآراء المختلفة المتواجدة في الساحة الحقوقية والسياسية بهدف التشجيع على القيام بخطوة إيجابية في اتجاه انخراط بلدنا في المعاهدة. وقد كان لي في اللقاءين الأخيرين شرف التعقيب الختامي على مفرزات المناقشات والحوار بصفتي مستشارا خاصا للسيدة المدعية العامة فاتو بنسودة في موضوع شائك وهو تعاون مكتبها مع منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا الشمالية (أي بما في ذلك القضية الفلسطينية). وطبعا كان علي أولا أن أنصت بعناية لكل التدخلات العديدة وما يتمخض عنها من مواقف ثم أدلي برأي منبثق عن خبرة ميدانية. رأي المفروض فيه طبعا أن يكون خلاصة صقلتها تجربتي في التعاطي مع موضوع العدالة الجنائية الدولية. أولا كأستاذ مختص في العلوم الجنائية وثانيا كقيدوم سابق لمستشاري المدعي العام بـالمحكمة الجنائية الدولية برواندا (حوالي 15 سنة)  ثم مستشارا خاصا للمدعية العامة السيدة فاتو بنسودة تقريبا منذ تنصيبها ولحد الساعة. وبعد التعبير عن هذا الرأي المطلوب تبدأ مناقشات مستفيضة تتخللها تساؤلات مشروعة بعضها ثقيل الوزن لأنه يشكك في مصداقية المحكمة ولا يتردد في اتهامها بتحيز ظاهر للدول القوية وتكالبها على الدول الضعيفة أو المستضعفة. وغالبا ما كانت مسألة تعامل المحكمة مع القضية الفلسطينية إحدى المحطات الأساسية التي يقف عندها ويحتد بسببها ذلك الانتقاد. وحتى لا أطيل على القارئ يبدي المنتقدون استغرابهم في هذا الصدد من كون المحكمة لم تهتم بمتابعة الجرائم التي ترتكب فوق الأراضي الفلسطينية أو الأراضي الإسرائيلية تجاه المواطنين الفلسطينيين ويتهمونها بالمحاباة وعدم الوقوف إلى جانب حماية ضحايا أبرياء.[1]

في معرض التجاوب مع تلك التساؤلات كنت عادة أذكر بمقولة الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي عنان خلال مراسيم التوقيع على معاهدة روما بان المحكمة "تعتبر بحق عربون أمل بالنسبة للأجيال القادمة وخطوة عملاقة في مجال ترسيخ الاحترام الكوني لحقوق الإنسان ولدولة القانون"

كما أذكر بإن المحكمة لا زالت وليدا بمقاييس تطور العدالة الإنسانية. وينبغي ألا ننتظر من وليد في مستهل حياته أن يحل مشاكل الإجرام الدولي البشع في كل بقاع العالم بفعالية لا يملك إمكانياتها حاليا وربما لن يملكها أبدا. كما أذكر بأن المحكمة لم ترق بعد إلى درجة العالمية[2] لكون عدد الدول المصادقة عليها لا زال محدودا وان تعلق الأمر ب123 دولة. خاصة أن دولا وازنة جدا وعلى رأسها ثلاثة أعضاء من مجلس الأمن لا زالت لم تصادق عليها. بل إن جزءا من تلك الدول ومن يتحالف معها يحارب المحكمة بشراسة في الخفاء والعلن.    

وطبعا كانت هناك دائما أجوبة قانونية مركزة على بعض التساؤلات الأخرى وعلى رأسها بالنسبة لفلسطين أن المحكمة لم تكن مختصة بمقاضاة الجرائم المرتكبة في إسرائيل لأنها ليست طرفا في معاهدة روما. علاوة على أن الجرائم التي ترتكبها لا يتصور أن تحال على المحكمة من طرف مجلس الأمن لأن حليفتها أمريكا وهي عضو دائم بالمجلس لن تسمح بذلك.

وقد تغيرت الإجابة على هذا السؤال لاحقا عندما أصبحت دولة فلسطين عضوا في المحكمة إذ أصبحت المحكمة قانونيا وفي رأيي أيضا مختصة بمقاضاة الجرائم التي تقع فوق التراب الفلسطيني.

وهنا أصبحنا أمام تساؤل عويص ومؤرق آخر وهو: متى سيبدأ البحث والتحقيق مع مرتكبي الجرائم فوق التراب الفلسطيني ثم متابعتهم ومحاكمتهم؟

وهو تساؤل مشروع جدا، لأن فلسطين أصبحت طرفا في نظام روما وبادرت إلى رفع دعوى أمام المحكمة بخصوص الوضعية المتعلقة بالجرائم التي ترتكب فوق ترابها. لكن الجواب عن هذا التساؤل والتعاطي مع الواقع الذي يكتنف طرحه والرد عليه ليس هينا. ذلك أننا إزاء قضية لا ترضى أقوى دولة في العالم أن يكون للمحكمة بها أي اهتمام. وتلك الدولة تسعى ولا زالت إلى بلوغ ذلك الهدف بكل الوسائل العتيدة المتاحة لها. وفضلا عن هذا المعطى الأولي والأساسي، الذي تعد الاستفاضة في تحليله من باب تفسير الواضحات والاستهانة بذكاء القارئ، هناك معطيات أخرى تكاد تكون عادية ومألوفة بالنسبة للمحاكم الجنائية الدولية تفسر بطء التعاطي مع الوضعية الفلسطينية. وعلى رأس تلك المعطيات التي لن استعرضها بتفصيل نجد: تعقد القضايا التي تختص بها المحكمة ومحدودية إمكانيات الاشتغال الفعلي للمحكمة وعدم كفاية تعاون الدول مع أجهزتها.         

وها نحن بعد انتظار يبدو طويلا نجد نفسنا في حضرة فتح مهم في الدعوى المرفوعة من طرف دولة فلسطين بخصوص الجرائم التي يرتكبها الإسرائيليون فوق التراب الفلسطيني. وهو فتح يتعين علينا أن نصفق له عاليا ونحن نستوعب جيدا بعده ودلالته الرمزية. وحتى لا نكون منقطعين عن إكراهات واقع لم يرتفع بعد يجب أن نتنسم أيضا وبحذر ما يمكن أن يتمخض عن هذا الإنجاز المهم أو لا يتمخض عنه في المستقبل.

ماذا حدث بالضبط يوم الجمعة الفارط الخامس من شهر فبراير 2021؟ وما حدث طبعا نتيجة لها مقدمات.

بتاريخ 23 أبريل 2020 تقدمت المدعية العامة بمذكرة لقضاة المحكمة الجنائية الدولية تطلب فيها منهم، على ضوء المادة 19/3 من نظام روما، أن يقرروا بأن الإقليم الذي يمكن للمحكمة أن تمارس اختصاصها عليه بموجب المادة (12/2 أ) يشمل الضفة الغربية بما في ذلك شرق القدس وغزة.[3] والغاية من ذلك طبعا هو تقرير اختصاص المحكمة بمقاضاة جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبت فوق الأراضي الفلسطينية.[4] وقد سبقت تلك المذكرة مناقشات مستفيضة أمام قضاة المحكمة شارك فيها ممثلون عن الضحايا، وآخرون عن 23 دولة من ضمنهم دولة فلسطين وممثل عن الجامعة العربية[5] وعدد وفير ممن يعرفون في النظام الأنجلو اكسوني بالمتدخلين بصفتهم "أصدقاء المحكمة" من أكاديميين وخبراء قانونيون وفاعلين في المجتمع المدني ذوي اهتمام بالقضية.[6] وقد بلغ عددهم 33 متدخلا من ضمنهم مؤسسات وأفراد. وقد كان من ضمنهم، على سبيل المثال، المحامي اللامع ووزير العدل الفرنسي السابق: روبير بادنتير،[7] وأستاذ القانون الدولي المقتدر والمعروف ويليام شاباص.[8] وقد فاقت عدد مذكرات المتدخلين جميعا الخمسين مذكرة، ناهيك عن المرافعات الشفوية التي امتدت عدة أيام.

ولو رجعنا إلى مضمون المذكرة التي تقدمت بها المدعية العامة لقضاة المحكمة لوجدنا بأنها مرافعة محبوكة بإحكام بالغ وغنية بالجزئيات الدقيقة المتعلقة بالقانون الدولي العام. وقد توقفت على الأخص عند إشكاليات المفهوم الحقوقي للدولة لكي يتضح لها إلى أي حد يمكن اعتبار فلسطين، وهي طرف في معاهدة روما، دولة فعلا. علما بأن المحكمة لا يمكنها أن تضع يدها على قضية لا تتعلق بدولة طرف في المعاهدة. وهو ما يترتب عنه عدم اختصاص المحكمة بالبث في الوضعية المحالة عليها من طرف فلسطين فيما لو تم التسليم بأن فلسطين لا تعتبر دولة لحد لساعة. ومن المعلوم طبعا بأن المتدخلين في الدعوى الموالون لإسرائيل لم يتوانوا عن التشكيك في ارتقاء فلسطين إلى المستوى الشرعي الذي يحق معه اعتبارها دولة فعلا.[9]  

ولنذكر هنا بأن فلسطين سبق الاعتراف بها ك"دولة غير طرف بالأمم المتحدة" لها وضعية ملاحظ. وذلك بتاريخ 29 نوفمبر 2012.[10] وقد قدمت فلسطين لاحقا وثائق انضمامها لعضوية المحكمة الجنائية الدولية في الثاني من يناير 2015. كما قبلت اختصاص المحكمة بمقاضاة الجرائم المرتكبة فوق الأراضي الفلسطينية بما في ذلك شرق القدس بتاريخ 1 يناير بموجب المادة 12/3 من النظام الأساسي للمحكمة. كما أحالت الوضعية المتعلقة بفلسطين على أنظار المحكمة بموجب المادتين 13/أ و14 من نظام روما. وقد أكدت دولة فلسطين على كونها قد أصبحت طرفا في المعاهدة وتعاونت مع المحكمة وأن من حقها أن تتمتع بحقوقها كدولة طرف في المعاهدة وأن المعاهدة تم تبنيها للمساهمة في تلافي عقاب مرتكبي الجرائم الدولية الخطيرة وهو ما يقع في فلسطين. كما أن تقرير اختصاص المحكمة على الجرائم التي ترتكب فوق الأراضي الفلسطينية المحتلة لا يضاره كون تلك الأراضي محتلة ما دام قد تقرر بشأنها حق تقرير المصير.[11]

فماذا قررت المحكمة بالضبط استجابة لملمس المدعية العامة؟

المحكمة قررت الاستجابة للملتمس وقضت بأنها فعلا مختصة بوضع يدها على الجرائم التي ترتكب فوق الأراضي الفلسطينية التي تشمل الضفة الغربية بما في ذلك شرق القدس وغزة.[12]

وقد انتهت المحكمة إلى تبني هذا القرار بعد رفع جملة من الالتباسات والاعتماد على عدة بيانات وحجج. بداية استبعد القضاة أن تكون القضية المعروضة أمامهم ذات طبيعة سياسية لأن عمل المحكمة يتعلق فقط بالجانب القانوني مهما كانت حساسية الوقائع وتداخلها مع البعد السياسي راهنا ومستقبلا. وطبعا كان ذلك ردا على عدد من الدفوعات التي تدعي بأن القضية المعروضة على المحكمة لها طبيعة سياسية محضة ولا يجوز للمحكمة أن تضع يدها عليها. كما استبعد القضاة زعم من يدعي بأن المحكمة تقاضي إسرائيل مع أنها ليست طرفا في القضية. ذلك لأن المحكمة لا تقاضي الدول أصلا وإنما تقاضي الأشخاص الطبيعيين فقط، فضلا عن أنها دعت إسرائيل لتقديم ملاحظاتها ولكنها لم تستجب لتلك الدعوة. وفيما يخص التحقق من كون فلسطين دولة أو ليست بدولة ارتأت المحكمة بأن مقتضيات النظام الأساسي تطبق على الدول الأطراف في المعاهدة دونما حاجة لتقدير هل تتحقق في كيانها كافة مقومات الدولة من وجهة نظر القانون الدولي العام او لا تتحقق. علما بأن ذلك التقدير قامت به الدول الأطراف في الأمم المتحدة وتمخض عن اعتبار فلسطين دولة.[13] وليس من اختصاص المحكمة أن تعيد النظر فيه مجددا. خاصة وأن فلسطين عندما أودعت الوثائق اللازمة لمصادقة فلسطين على معاهدة روما لدى الأمين العام للأمم المتحدة لم تتقدم أية دولة، سوى كندا، باعتراض على ذلك. وعلاوة على ذلك منذ حصول المصادقة تميزت عضوية فلسطين بممارسة نشاط ملموس داخل الجمعية العامة للدول الأطراف في المعاهدة ولم يتم التصريح بأي اعتراض على ذلك أيضا.[14] ومن ثم فإن فلسطين تعتبر فعلا دولة ومن حقها بتلك الصفة المصادقة على أي ميثاق وسريان مقتضياته بحقها.[15] وليس منطقيا أن يسمح لها بالانخراط في المعاهدة ثم يحال بينها وبين استعمال مقتضياتها. ولم يفت المحكمة أيضا أن تؤكد على ضرورة الاعتداد بالغاية التي من أجلها تم إنشاء المحكمة وهي مكافحة إفلات مرتكبي الجرائم الدولية الفظيعة من العقاب.[16] يلاحظ أيضا بأن القضاة حرصوا على رفع بعض الالتباسات التي يمكن أن تنجم عن تقرير اختصاص المحكمة في الوضعية المعروضة عليها. وعلى رأس تلك الالتباسات التأكيد على أن الاختصاص بمتابعة جرائم تقع فوق التراب الفلسطيني لا علاقة له برسم حدود الإقليم الذي يقع تحت سلطة الفلسطينيين ولا يمكن أن يستخلص منه ما لا يتعلق أصلا بموضوعه وهو رسم تلك الحدود أو الاعتراف بوجودها.

علاوة على ما سبق يتعين الانتباه إلى أن قرار المحكمة التي تتكون من ثلاثة قضاة اتخذ بالأغلبية وليس بالإجماع. وهكذا فإن أحد أعضاء هيئة الحكم وهو رئيسها لم يصوت لصالح القرار وعمد إلى تحرير رأي مخالف لبقية الأعضاء.[17] وقد استوقفني أن رأيه رغم أنه مخالف لزملائه جزئيا فقط فإنه ورد في 154 صفحة في حين أن الحكم نفسه لا يتعدى 60 صفحة.[18]

كما يتعين الانتباه إلى أن قرار المحكمة يتعلق فقط بتقرير اختصاصها في الموضوع ولا ينصب على أي عنصر جوهري. وهي مسألة هامة في حد ذاتها. وقد كان يمكن ألا تثار في هذه المرحلة بل في لاحقة وهي مرحلة المحاكمة. لكن مكتب المدعية العامة قرر أن يتخطى هذا الحاجز أولا وألا يخاطر بصرف طاقة هائلة وتجنيد إمكانيات مادية ومعنوية مهمة في معالجة القضية لكي يفاجأ أثناء المحاكمة بأن المحكمة تعتبر نفسها غير مختصة. وبما أن مدة ولاية السيدة فاتو بنسودة ستنتهي قريبا في بداية صيف السنة الحالية فإن البطاطا الساخنة سوف تنتقل إلى يد المدعي العام المقبل.[19]

ومن جهة أخرى، وهذه مسألة هامة قلما يتم الانتباه إليها في خضم التعاطي مع القضية الفلسطينية، يجب الانتباه إلى أن الاختصاص الذي قررته المحكمة يتعلق ب "وضعية فلسطين" [20]وليس بأشخاص معينين ارتكبوا جرائم فوق الأراضي الفلسطينية. وهو ما يعني قانونيا بأن الأشخاص الذي يمكن متابعتهم ومحاكمتهم يمكن أن يكونوا إسرائيليين أو فلسطينيين طالما كانوا مسؤولين عن ارتكاب جرائم تدخل في اختصاص المحكمة.[21] وقد قررت السلطة الفلسطينية بعد تردد طويل قبول هذه المخاطرة الناتجة عن إحالة الوضعية على المحكمة.

وفي كافة الأحوال ينبغي ألا نضيع حقنا وفرصتنا في التمتع بقيمة الإنجاز الذي حققه صدور هذا الحكم والتعبير عن البهجة لكونه تحقق. دعوني أؤكد بأن هذا الحكم يعتبر فعلا تتويجا هائلا ومستحقا لمجهودات المدعية العامة ومكتبها. وهو بلا ريب نجاح باهر يستحق التقدير والتنويه. كما أنه يعتبر فوزا للمحكمة ولقضاتها ككل. ويتمثل نجاحهم وفوزهم جميعا في الجرأة على التفعيل الشجاع لنصوص المعاهدة في قضية أقل ما يقال عنها أنها صعبة المراس.  كما يتمثل في الطابع الرمزي العميق لتأييد موقف المدعية العامة السيدة فاتو بنسودة في القضية. ذلك لأن مضمون الحكم يشكل، في نظري، بالأساس انتصارا هائلا للمبادئ السامية للعدالة على غطرسة القوة وجبروتها. والمبادئ كما نعرف لا تنتصر دائما بهذا القدر من القوة الواضحة والعلانية المدوية. ومع ذلك لاحظوا معي بأنني أتحدث فقط عن انتصار المبادئ لا عن انتصار الأحداث والوقائع. وشتان ما بين انتصار المبدأ وانتصار الواقع. فقط يجب ألا ننسى بأن الوصول إلى هذه النتيجة الرمزية تطلب لحد الآن تضحيات جسيمة من طرف العاملين بالمحكمة الجنائية الدولية قدمت في معركة حامية الوطيس بين داوود وجولياط. والحقيقة المرة هي أن طريق الحصول على عدالة البشر يظل طويلا ومضنيا ومحبطا في كثير من الأحيان. ومن طبيعة الحال جولياط الذي يتصارع معه من يجرؤ على ذلك من العاملين بالمحكمة (وما كلهم يجرؤون)[22] لا زال حيا ولم يهزم بعد، إلا من حيث المبدأ. أما من حيث الواقع فيبدو أنه لا زالت للعملاق في زمانه فسحة رحبة ليستعرض عضلاته.



[1]

طبعا يضاف إلى هذا الاتهام طبعا بأن المحكمة فضاء لمحاكمة مسؤولي الدول الإفريقية حصرا مهما ارتفع مقامه

وهو احتجاج مشروع لمن يحكم بظاهر الأمور ومردود على من يتعمق في جوهرها. وإذا كانت جل القضايا المعروضة على المحكمة فعلا تتعلق بوضعيات توجد في جنوب الكرة الأرضية فينبغي ألا ننسى بأن أغلبها أحيل عليها من طرف الدول الإفريقية (أوغندا، الجمهورية الديموقراطية للكونجو، كوت ديفوار، كينيا، مالي، إفريقيا الوسطى، وأن مجلس الأمن هو الذي أحال عليها وضعية ليبيا والسودان). وفي قضية واحدة فقط، تتعلق بكينيا، بادر المدعي العام السابق إلى فتح بحث أولي من تلقاء نفسه. فلا يصح بعد ذلك أن تدعي تلك الدول نفسها بأن المحكمة لا تستهدف سوى الأفارقة. 

[2] universalité

[3] ICC-01/18-131 30-04-2020 1/60 NM PT

[4] وبما أن المحكمة تضع يدها على وضعية وليس على أشخاص معينين فإن ولايتها تنصب في نفس الوقت على الجرائم التي ارتكبها الإسرائيليون وعلى تلك التي ارتكبها الفلسطينيون.

[5] يلاحظ بأن سبعة دول من ضمن 23 عارضت أن تكون لفلسطين صفة دولة ويتعلق الأمر بألمانيا والنمسا وأستراليا والبرازيل وهنغاريا ويوغوسلافيا وأوغندا

[6] amicus curiae

[7] وقد اتخذ موقفا معارضا لطلب المدعية العامة

[8] وهو معروف بتعاطفه مع القضية الفلسطينية وقد اتخذ موقفا مساندا لملتمس المدعية العامة

[9] المتدخلون بالمفهوم الدارج لكلمة المتدخلين وليس بالمفهوم الاصطلاحي الحقوقي

[10] وذلك ب138 صوتا ضد 9 و41 امتناع عن التصويت.

[11] ومما جاء في مذكرة أحد الممثلين للضحايا باللغة الفرنسية:

"S’il suffisait à une puissance occupante d’annexer un territoire pour exclure celui-ci et sa population du champ d’application des normes protectrices et du bénéfice de la justice pénale internationale, celle-ci n’aurait plus aucun intérêt"

[12] ICC-01/18-143 05-02-2021 59/60 EC PT

[13] Resolution 67/19 on 4 December 2012, reaffirming therein ‘the right of the Palestinian people to self-determination and to independence in their State’ and according Palestine a ‘non-member observer State status in the United Nations’

[14] وقد سبق أن أشرنا إلى أن سبع دول قدمت للمحكمة مذكرات ترى فيها بأن فلسطين ليست لها صفة دولة بمفهوم المادة 12 من النظام الأساسي للمحكمة (وتلك الدول هي يوغسلافيا والنمسا وألمانيا وأستراليا وهنجاريا والبرازيل وأوغندا). وقد ردت عليها المحكمة بأنها لم تعترض على مصادقة فلسطين على المعاهدة عندما وضعت الوثائق الضرورية لانخراطها في المحكمة. كما لم يسبق لها أن تعرضت على أنشطتها بالجمعية العمومية للدولة الأطراف. كما أضافت بأن اغلب الدول التي تقدمت بمذكرات في القضية سارت في الاتجاه المعاكس.

[15] وهو ما أشار إليه الأمين العام للأمم المتحدة في قرار مصادقته على وثائق اا

[16] يلاحظ أيضا أن الحكم ناقش حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم وأشار إلى أنه تكرس في محافل دولية عديدة. كما أكد على كونه حقا من حقوق الإنسان.

[17] Partly Dissenting Opinion of Judge Peter Kovacs ICC-01/18-143-Anx1 05-02-2021 1/163 EC PT

[19] ومن باب الأمانة العلمية لننبه إلى أنه قد يقول قائل لعل طريقة التعامل مع القضية بالابتداء بالتأكد من التثبت من الاختصاص هي استراتيجية مقصودة للتخلص من البطاطا السخنة ووضعها، وربما وهي أسخن، في أياد أخرى.

[20] La situation en Palestine.

[21] وهذا هو ما حمل منظمة هيومان رايتز ووتش على التصريح بما يلي تعليقا على قرار المحكمة:

« Il est grand temps que les auteurs israéliens et palestiniens des plus graves violations des droits rendent comptes devant la justice » Libération 5 février 2021 sur son site web

[22] الدليل القاطع هو موقف القاضي الذي أصدر رأي مخالفا لزميليه في هيئة الحكم.

يرى القاضي الذي أصدر رأيا مخالفا بأن قرار الجمعية العمومية للأمم المتحدة الذي قرر بأن فلسطين دولة ليس ملزما للدول لأن قرارات الجمعية العمومية تنتمي إلى مجال القانون الدولي الرخو soft law وليس القانون الدولي الصلب الملزم. وتبقى أيضا أغلب تحليلاته تشكيكا في عدم توفر وضعية فلسطين على أركان الارتقاء إلى مستوى الدولة خاصة باعتبار المعايير التي تنص عليها معاهدة موتنيفيديو المتبناة سنة 1933.  





Libellés :

Enregistrer un commentaire

[blogger][facebook][disqus]

Cress Revue

{picture#http://store4.up-00.com/2017-07/149982714684611.jpg} Revue marocaine des sciences politiques et sociales, Dossier "Economie politique du Maroc", volume XIV, Hors série. Les auteurs du volume n'ont pas hésité ... {facebook#http://facebook.com} {twitter#http://twitter.com} {google#http://google.com} {pinterest#http://pinterest.com} {youtube#http://youtube.com} {instagram#http://instagram.com}

Formulaire de contact

Nom

E-mail *

Message *

Fourni par Blogger.