الكثير من الأحزاب تنتظر أن يحدد لها الدور الذي تلعبه وكأننا في ... أ. عبد العزيز القراقي









الكثير من الأحزاب تنتظر أن يحدد لها الدور الذي تلعبه وكأننا في مسرحية بإخراج محنك

الأستاذ عبد العزيز القراقي

أستاذ العلوم السياسية

جامعة محمد الخامس

ـ نحن على مرمى حجر من الانتخابات المتوقعة في خريف هذا العام، يزداد المشهد الحزبي قتامة واختلاطا، وتعبره وقائع غريبة، حزب العدالة والتنمية يعيش فورة داخلية، اليسار منقسم بين المعارضة والحكومة وقد فقد بريقه، وباقي أحزاب الأغلبية الحكومية خافتة وبلا تأثير ويختلط المال بالسياسة في جزء منها، وحزب الاستقلال حائرا يجد نفسه فيما يشبه الدوخة... أي نتائج لانتخابات سنجريها بوضع حزبي كهذا؟

يبدو أن الأحزاب المغربية لازالت لم تتخلص من لحظة 2011، التي أظهرت أنها منهكة حيث أن مطالب الإصلاح التي أدت إلى ولادة دستور جديد لم تكن هي الحاملة لها. واتضح أن الأحزاب فقدت القدرة على اتخاذ المبادرة لا على مستوى إنتاج خطاب سياسي جديد، يساير سقف التحديات التي رسمها وأسس لها الدستور، ولا على مستوى التعبئة الجماهيرية التي تمنح الحزب في نهاية المطاف وضعية المؤسسة القادرة على الاضطلاع بدور الوساطة. ولعل المتتبع للشأن الحزبي بالمغرب سيلاحظ، بأن الديناميكية الداخلية المؤدية إلى التدافع الفكري بين مختلف التيارات الداخلية، الذي كان من سمات الحزب السياسي المغربي، خفت كثيرا، فلم نعد نسمع كثيرا عن الأوراق والأرضيات التي تتنافس التيارات والمجموعات على إنتاجها، والحرص على عرضها في المؤتمرات وداخل قنوات الحزب، وكثيرا ما يحل محلها الولاء المطلق للقيادة الحزبية، المؤهل بطبيعة الحال لتوزيع منافع السياسة، وأصبحت المؤتمرات الحزبية فرصة للتموقع، أكثر منها لحظة للتقييم وتقديم الحساب، لقد أصبحت الكثير من الأحزاب تنتظر أن يحدد لها الدور الذي ستلعبه، والموقع الذي عليها أن تتبوأه، وكأننا في مسرحية توزع فيها الأدوار بين الممثلين بإخراج محنك، إلى الحد الذي يختلط فيه الأمر على المتفرج، فمن يعتقد أنه  البطل يبدو لك في النهاية أن دوره ليس إلا ثانويا. لقد كفرت الأحزاب بالمجتمع، الذي بادلها كفرا بكفر، فأصبحت تلهث وراء القوة بعيدا عنه، وأصبح المجتمع يتتبع عثراتها و يتداولها بالفضاء الرقمي، الذي يجد فيه كل ضالته، و يلبي لكل هواه، ويمنح نوعا من الحرية، التي قد تسمح للأفراد أحيانا بممارسة الضغط على الفاعل السياسي ، والتأثير على سلوكه. إننا نعيش سنة انتخابية متميزة على أكثر من مستوى، فمن هو الحزب الذي شرع في عملية تسخين سياسي حقيقي، عبر تقديم عروض سياسية حقيقية يتواصل بشأنها لإقناع  المواطنين ــ وليس الناخبين  فقط ــ على الأقل من أجل التعاطف، حقا لقد ضغطت أجواء الجائحة، وحدت الإجراءات الاحترازية المتخذة أكثر ما يمكن من تواصل الأحزاب المباشر مع المواطنين، ولكن يمكن أن نذهب إلى حد الجزم بأن أغلب الأحزاب المغربية، لازالت لم تدرك ما يتيحه التواصل الرقمي من فرص للقرب من المواطن والتفاعل مع قضاياه، ولعل تعديل القانون التنظيمي رقم 29.11 المتعلق بالأحزاب السياسية، الذي أجاز للأحزاب تأسيس شركة للتواصل وللأنشطة  الرقمية، مع فرض تخصيص جزء من الدعم العمومي للنهوض " بالتفكير والتحليل والابتكار في المجالات المرتبطة بالعمل الحزبي والسياسي" غايته تعزيز قدرات الحزب في مجالات التواصل، غير أن الأمور بخواتمها كما يقال، فالنص لوحده لن يغير الواقع إذا لم تتوافر الإرادة والرغبة في التغيير.

- رأينا ما حدث مع القاسم الانتخابي وكيف تشكلت أغلبية جديدة بالبرلمان حتى ممن عارض في البداية المس بمبدأ ديمقراطي جوهري، هل فقدت الأحزاب السياسية استقلالية قرارها السياسي؟

بوأ أن الدستور الأحزاب مكانة هامة، وخصها بالفصل السابع وحدد مهامها، وجعل الحرية كمعيار ومرتكز في تأسيسها، وممارسة أنشطتها، ومكنها من قانون تنظيمي انسجاما مع الأدوار الهامة التي أوكلت لها وحماية لها من أي تعسف أو تسلط، إلا أنها تظهر وكأنها لازالت تعيش زمن دستور 1996 ولم تنتقل بعد للحاضر، لقد أدركت   أغلب الأحزاب بل تكرست قناعتها في 2016، بأن صناديق الاقتراع لن تمنحها على الأقل في الأمد القريب، موقعا آمنا على مستوى المؤسسات، فأصبحت تتطلع إلى وسائل أخرى يمكن أن تمنحها ما لا يمنحه لها الناخب، ودخلت في مسلسل البحث  عن كل الإمكانيات والفرص المؤدية إلى مكان في هندسة المؤسسات، بغض النظر عن الحجم الطبيعي الذي بوأها المواطن إياه. واتضح لها أن ذلك لن يتم إلا بعد إضعاف الآخرين، وبالضبط حزب العدالة والتنمية وحزب الأصالة والمعاصرة، فاقتصر التفكير على ذلك، ولم تعد لا رغبات المواطن ولا انتظارا ته ولا حاجياته، ولا البناء المؤسساتي للحزب ولا الديمقراطية تكتسي أية أهمية، إن مالا تدركه الأحزاب، هو أنها بصدد صياغة قواعد للعمل السياسي المستقبلي تتنازل فيها عن الكثير من الصلاحيات والاختصاصات والأدوار، وأن تقليص دور حزب ما اليوم، معناه تقليص لأدوار الأحزاب كلها مستقبلا، ففي الكثير من الدول الديمقراطية تتوافق الأحزاب فيما بينها على قواعد معينة تعتبرها حدا أدنى يجمعها، لا تسمح لأي كان بأن يتجاوزه، ويبدو لي أن أحزابنا لازالت لم تصل إلى هذا النضج السياسي، حيث أنها لم تفلح حتى في احترام ميثاق للأغلبية، فما أدراك بمسألة وضع قواعد وأعراف للعمل المؤسساتي.  أما فيما يخص استقلالية الأحزاب السياسية فذلك أمر نسبي ولا يجب أخذه على أنه أمر مطلق، ولكن المتتبع للنقاش السياسي ، خاصة ما تعلق منه بالقاسم الانتخابي، ومختلف التطورات التي شهدها الحقل السياسي، سيتضح له وكأن الأحزاب السياسية لم تعد الاستقلالية في اتخاذ القرار ولا في كيفية اتخاذه أمرا يهمها، وأصبحت مقولة ماكيافللي الشهيرة " الغاية تبرر الوسيلة" شعارا للمرحلة.

- ما هي العوامل التي ساهمت في وصول أحزابنا إلى هذا المستوى من الضعف والتفتت وفقدان مصداقياتها لدى عموم المواطنين؟

إن المتتبع لتاريخ الأحزاب المغربية قد يدرك أن أسباب ضعف الأحزاب السياسية متعددة، فهناك غياب الديمقراطية الداخلية كآلية يضبط على إيقاعها النقاش والتفكير وكذلك الحكامة الشاملة للحزب،  وعجز واضح في تدبير الاختلاف الفكري. لقد كانت بعض الأحزاب في الماضي تحارب من أعضائها من تتوجس منهم القيادة خطر المنافسة، عبر إطلاق إشاعات حولهم، حيث كان يروج لفكرة أنهم جواسيس وعيون للسلطة داخل الحزب، أو لجهات تريد بالحزب شرا، فيتم إما طردهم أو يختارون الانصراف بعد أن تضيق بهم السبل، أما إذا بقوا في الحزب فلن يسمج لهم إطلاقا بتبوء المراكز القيادية، و تلاحقهم هذه الصفات مدى الحياة ،  ولعل شعار "أرض الله واسعة" الذي أشهرته بعض القيادات الحزبية في وجه عدد من الأعضاء، دليل على أن الاختلاف قد يؤدي إلى الإقصاء ، الأمر الثاني، وهو أن الأحزاب المغربية غير قادرة على تجديد نخبها، فالشباب والنساء الذين يشكلون أغلبية الساكنة، تعتمدهم الأحزاب على مستوى الخطاب والشعارات، ما عدا ذلك، فينظر إليهم نظرة فيها الكثير من الاستصغار، ولعل الكثير من القضايا النسائية لم يتم تسليط الضوء عليها إلا بعدما شكلت النساء جمعيات مستقلة عن الأحزاب، لتدافع عنها بشكل مباشر. أذكر على سبيل المثال لا الحصر قضايا المساواة، أما من حيث العمل فالأحزاب أكدت منذ مدة بعيدة عجزها عن اتخاذ المبادرة، ، ولعل قمة الضعف الذي عاشته، هو الذي تجسد مع ظروف حالة الطوارئ والحجر الصحي، حيث تخلت عن دورها التأطيري، وبقيت تنتظر مثلما يفعل المواطنون. إن الكثير من الأحزاب السياسية المغربية عندما تناط بها المسؤوليات الحكومية، تنسى الحزب وما يقتضيه ذلك من ضرورة المحافظة على قوته عبر تجديده، فتشرع في وضع المقربين من القيادات في مواقع المسؤولية داخل الدواوين أو في المؤسسات، وهياكل القطاعات التي يسند أمر تدبيرها لأعضاء من الحزب، و بعد أن تغادر الحكومة تكون الهوة قد اتسعت بين الأعضاء والقيادة، إن منطق الأشياء في الأنظمة الديمقراطية، يفرض على الحزب التجديد المستمر، فعندما يصل إلى السلطة تشرع آليات الحزب في تحضير نخب جديدة مستعدة لتبوء مقاعد المعارضة، عند مغادرة الحزب للسلطة، فتبلور خطابا نقديا مزدوجا، موجه أولا، لكيفية تدبير الحزب للمحطة الحكومية، وتنتقد ثانيا و في نفس الوقت من أوصلتهم صناديق الاقتراع إلى الحكومة، وهذا ما يمنح الحزب باستمرار إمكانية التجديد المستمر، بينما العكس هو الذي يحصل عندنا، وهذا يفقد الحزب الكثير من المصداقية. الأمر الثالث وهو أن التعددية الحزبية في المغرب، تمنع من أن يكون حزبا واحدا أو اثنين بل حتى ثلاث، من أن تصل لوحدها للحكومة، وهذا الأمر له تكلفته السياسية، ذلك أن الحزب يتعاقد مع الناخبين على برنامج انتخابي، قد تكون فيه بعض الشعارات حاسمة في تحقيق الفوز، غير أن الحزب يضطر إلى تركها جانبا، والتنازل عن الكثير من أجل إحداث تحالف، فيبدو وكأن الحزب تنكر لما تعاقد حوله مع المواطنين، ولعل تجربة حزب العدالة والتنمية قريبة إلى الأذهان وتبين كيف أن " محاربة الفساد" التي جعل منها الحزب شعارا مركزيا، تحولت في نهاية المطاف إلى أمور جوفاء، وأن حديثه عن محاربة الريع لم يتعد نشر لوائح لبعض المستفيدين من المأذونيات، وإعادة هيكلة صندوق المقاصة الذي كان مطروحا قبل أن يصل الحزب إلى قيادة الحكومة.

- تعتبر ممارسة التدبير الشأن العام تمرينا ديمقراطيا يجعل الحزب أكثر فعالية وبرامجه أكثر واقعية وأطره أكثر تمرسا وحكمة، لكن مع تجربتي الاتحاد الاشتراكي ثم العدالة والتنمية أصبح التنظيم الحزبي يتقلص أكثر ويؤدي ثمن ممارسة السلطة في الجوانب المسموح بها، إلى ما يعود ذلك؟

مما لا شك فيه أن ممارسة تدبير الشأن العام، تمكن صاحبها أولا من خبرة مهمة، لكونه يطلع على دقائق الأمور، ويدرك الصعوبات التي تتحكم في الفعل، وتجعله محدودا، وعادة من يمارس الشأن العام يحتك بالواقع، فيبتعد عن المطلق، ويستبدله بتنسيب كل الأمور السياسية. إن الحزب عندما يكون في المعارضة تجنح خطاباته نحو المثالية، أما عندما يتحول إلى ممارسة الشأن العام يصبح خطابه أقرب إلى تبني الواقعية، و كل الأحزاب السياسية في العالم تمر من هذه التجربة، فعادة في الدول الديمقراطية الحزب لا يحظى إلا بولايتين اثنتين وفي أقصى الحدود على ثلاثة، بعدها يختار الناس غيره، فينصرف إلى ممارسة السياسة من موقع آخر، ولكن الأحزاب في الدول الغربية تدرك جيدا أن الحزب كفضاء سياسي عليه الاستعداد الدائم للدخول إلى غمار الانتخابات، والفوز في هذه المعركة يتطلب باستمرار تجديد النخب الحزبية، فقلما نجد في الدول الديمقراطية حزبا تقود قيادته المعارضة مثلا بنفس الوجوه التي كانت في السلطة، ولهذا فإن الحزب يبقى منفتحا باستمرار ساعيا إلى استقطاب أجود العناصر وأكفئها لكي تقود الشأن العام، وللأسف لا يتم الأمر عندنا بنفس السلاسة، ولنعد إلى تجربتي العدالة والتنمية والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، فهما مختلفتان في الكثير من الأشياء بما في ذلك السياق السياسي والاجتماعي الذي مر منه كل طرف، فإذا كان الاتحاد الاشتراكي قد اصطدم بمحدودية دستور 1996، فإن العدالة والتنمية استفاد كثيرا من مناخ إعداد الدستور وتفوق في الانتخابات الأولى وأكد التفوق في الثانية، غير أن لحظة تأسيس الحكومة في 2016 واستبدال بن كيران بالعثماني كان بمثابة الصدمة التي ظهرت تداعياتها على التنظيم الداخلي، ولم يعد الانسجام المطلق هو القاعدة، بل أصبحت هناك أصوات ترتفع من حين لآخر، مطالبة برفع سقف التحديات. إن حزب العدالة والتنمية والاتحاد الاشتراكي لم يقدرا اللحظة التاريخية حق قدرها، والتي كانت تحتاج إلى قرارات حاسمة يختار فيها الحزب بين المبادئ والمنافع، ولكن للأسف في الحالتين معا تم الاختيار الثاني، فكانن ذلك بمثابة الدخول في مرحلة الضعف والتراجع بالنسبة للاتحاد الاشتراكي، ولا زال الأمر مفتوحا على كل الاحتمالات بالنسبة للعدالة والتنمية. إن الحزب السياسي الذي يجعل رأسماله شيئا آخر غير المبادئ، عليه أن يدرك أنه لن يكون صانعا للتاريخ، ولن ينتج زعماء قادرين على قيادة التحولات الكبرى، فماذا كان سيحدث لو اختار الاتحاد الاشتراكي أن يذهب إلى المعارضة في 2002، ونفس الأمر في سنة 2016 بالنسبة للعدالة والتنمية، إن هاتين التجربتين غنيتين بالدلالات، والدروس فهل من مستفيد؟ لكن السياسيين عندنا لا يجيدون قراءة التاريخ، واستخلاص الدروس والعبر منه، ولهذا يبدو لنا و"كأن التاريخ يعيد نفسه" ولكن الحقيقة تكمن في أن الأخطاء هي التي تتكرر وليس التاريخ.

 بدا حزب العدالة والتنمية في البداية كحزب متماسك تنظيميا، ولم تزده قيادته للحكومة إلا قوة بحيث اكتسح الانتخابات عام 2016، واستمر الخوف من قوته حتى في الانتخابات القادمة، رغم ما يعرفه هذا الحزب من صراع تنظيمي وغليان داخلي واستقالات بين أعضائه من لغة التعليم إلى التطبيع فقانون الكيف، إلى ما يعود ذلك في تقديرك؟

استفاد حزب العدالة والتنمية من التحولات الكبرى التي شهدها المغرب، ولعل نفسه الطويل إن صح التعبير، وقبوله بالتنازلات المستمرة، والتكيف مع مختلف الظروف حيث ظهر ذلك منذ اللحظة التي قبل فيها بعدم الترشح في كافة الدوائر، مما جعله يتجنب ما عاشته الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية في بعض الدول العربية، إن مرجعية الحزب الإسلامية ساعدته كثيرا لتبوء مركز الصدارة في مناخ عرف بالمد الإسلامي الذي انتشر في الكثير من البلدان عقب هزيمة 1967 ، وهذه المرجعية مكنته من بلورة خطاب يوظف مقولات وأفكار مركزية في الثقافة العربية الإسلامية، مما يسر من مهمته على مستوى التواصل السياسي، إن المرجعية المعتمدة تجعل    السياسة عنده  تمارس بشكل يومي، وفي كل مكان، ولا تنتظر الانتخابات  أو المهرجانات لكي يتواصل مع الناس، فالسياسة بالنسبة لحزب العدالة والتنمية عمل يومي ومستمر يحضر فيه التضامن والتآزر بين الأعضاء، ويختلط فيه العمل السياسي بالتعبد، ثم لا يجب أن ننسى أن الكثير من أعضاء الحزب يأتون من حركة التوحيد والإصلاح، حيث هناك التربية والدعوة من أجل تحقيق النهضة الإسلامية، وهؤلاء يحكمهم المنطق الخاضع للتعبئة الدائمة والمستمرة، إن الموضوعية تقتضي القول بأن حزب العدالة والتنمية اعتمد منهجا خاصا في العمل السياسي يؤطره الالتزام بالضوابط الحزبية وبأسلوب يحضر فيه الانضباط والامتثال للقرارات، ولكن الحزب أيضا مدين كثيرا لزعيمه عبد الإله بن كيران الذي له قدرة كبيرة على التواصل، ذلك أن الرجل مر في حياته السياسية بالكثير من المحطات، التي ساهمت في بناء شخصيته السياسية، مما مكنه من قدرة كبيرة على التناظر، وتوظيف أخطاء وضعف خطاب المنافسين السياسيين، إن الخطاب البسيط الذي يستحضر فيه المعطيات التي يجود بها وحي اللحظة، جعله مقبولا لدى فئات واسعة من الناخبين، وما أظن أن الحزب كان سيحقق نتائج إيجابية في انتخابات 2016 ، لو كان في قيادة حزب العدالة والتنمية شخص آخر مكانه ، ثم إن الحزب يتوفر على الكثير من الكفاءات الشابة التي تثقن آليات العالم الرقمي، وما يتيحه من فرص لتواصل القرب. لكن حزب العدالة والتنمية بقي مثاليا في تناوله للكثير من القضايا، قطعي في بعض المواقف، ولم يأخذ بعين الاعتبار أن العالم السياسي لا وجود فيه للمطلق، فالقضية الفلسطينية مثلا تعتبر قضية جوهرية لدى الحزب، وفي الكثير من مهرجاناته تحضر شعارات مناصرة للفلسطينيين، ولهذا صعب على الكثير من أعضائه أن يتحملوا عودة الدفء إلى العلاقات المغربية الإسرائيلية. لقد ذكرني هذا بما كان يعيشه المسيحيون في عهد الإمبراطورية الرومانية، حيث كان الرهبان الأوائل يبشرون الناس بأن غضب الله سيحل قريبا بالحكام الوثنيين، فإذا بهؤلاء الحكام أنفسهم يعتنقون المسيحية، فدخل الفكر المسيحي في سلسلة من إنتاج الفكر التبريري الذي تحول إلى ضبط العلاقة بين السلطة والكنيسة، حيث مالت الكفة بعد مرور قرون عديدة للسلطة السياسية. بينما انحصرت الكنيسة في الفاتيكان ولم يعد مسموحا لها أن تقوم بما كانت تقوم به في الماضي، إن اللحظة التي يمر منها حزب العالة والتنمية حاسمة في تاريخه، هل يستطيع أن يبتعد عن مثالية الخطاب الذي بلوره في لحظة التأسيس؟ هل يستطيع أن يبقي التوافق والتفاهم إلى الأبد، بين من يأتي إلى الحزب من الجماعة، وبين من ينضم إليه عبر طرق أخرى؟ هل يستطيع الحزب الإبقاء على مسافة قريبة بين القيادة والقواعد؟ تلك تحديات كبرى تنتظر الحزب وقد تحكم على مستقبله وموقعه وقوته.

- هل يكفي ضمور الأحزاب السياسية أو جمودها حيث كفت أن تستمر كمشتل للأطر، لتبرير تدخل الدولة في الأحزاب، فإذا كانت التنظيمات الحزبية غير معارضة للسلطة السياسية بالضرورة فهل يعني ذلك أنها تابعة لها؟

عندما ننظر إلى النسق الاجتماعي كوحدة تشمل عدة بنيات أو أنساق ونقبل بأن النسق  السياسي ما هو إلا إحداها حيث له هو الآخر عناصره التي تترابط في ما بينها عبر علاقات متعددة ومختلفة، ونقبل جزافا بأن أي تدخل خارجي في أي مستوى كان تكون له انعكاسات وتصدعات، فإن الأمر يصبح والحالة هذه واضحا. إن الحزب السياسي نظريا بنية قائمة الذات له ديناميكيته الخاصة، وأيما تدخل خارجي في تدبيره من أي كان يصيب الحزب بالخلل، بحيث يصبح غير قادر على القيام بأدواره،  ولكي ننتقل إلى مستوى آخر دعيني أطرح سؤالا آخر متى طلب من الحزب المغربي أن ينتج النخب وأن يكون مشتلا لها؟ إن الكثير من الأحزاب السياسية التي رأت النور بالأخص بعد الاستقلال، أسست لغايات محددة وأدوار معينة، عندما تستنفذها يذب الضعف إليها، وقد تختفي مع مرور الوقت، ما لم تحدد لها أدوار جديدة للقيام بها، فلا أحد يشك أو يجادل في أن الحزب السياسي هو أداة ضرورية للعمل السياسي، وهو إطار للنقاش والتفكير والتعبير، وتنعكس آثار التدافع الفكري والسلمي داخله على العمل السياسي للدولة، من خلال إنتاجه لمشاريع فكرية تروم في نهاية المطاف خدمة المجتمع قبل أي شيء آخر. إن أي تدخل كيفما كان نوعه من خارج الحزب في شؤونه الداخلية، يؤثر سلبا عليه كمؤسسة ويجعله فاقدا للمصداقية، وعاجزا عن التطور الطبيعي. ثم إن الشعوب عامة تجتمع  وتثق في الأحزاب المستقلة أي المالكة لقرارها السياسي ولاختياراتها، وتنفر من الأنواع الأخرى. كما أن منطق الديمقراطية لا ينسجم وهذه الممارسات التي تمس جوهر العمل السياسي. وتساهم في تكريس منطق الانتهازية السياسية، فالديمقراطية تفترض وجود دائرة يتوسطها المجتمع كقطب رحى، ويدور حوله الكل بما في ذلك السلطة السياسية، بينما نحن نعيش الدائرة بشكل عكسي قطب رحاها السلطة السياسية ويتمحور حولها الكل بما في ذلك المجتمع. أما فيما يخص بالشق الثاني للسؤال فإن ما يجب معرفته هو أن الديمقراطية تفترض أن المجتمع يعيش تعددية حقيقية، وأنه لا وجود لقوة سياسية تبقى مؤيدة أو معارضة للسلطة السياسية إلى الأبد، إن السلطة السياسية بقدر ما هي في حاجة إلى المؤيدين هي أيضا تحتاج القوى السياسية المعارضة، لأن نظرتها للأمور تكون مختلفة، ولكن ذلك لا يعني أنها تكون خاطئة، إن التدخل في شؤون الحزب ينتج هو الآخر في نهاية المطاف نوعا من الريع السياسي ، فعوض أن يكد الحزب ويجتهد، ويعمل من أجل الإبداع لنيل رضا الناخبين، يصبح مدللا لدى السلطة السياسية، يوهمها في كل وقت وحين بأنه حاميها  وخادمها وتلميذها النجيب، بينما هو في الحقيقة يحمي مصالح فئة ضيقة من المنتفعين الذين يجردون العمل السياسي من نبله.

ـ هل يمكن الوصول إلى دولة ديمقراطية في غياب أحزاب ديمقراطية؟ ما هي الانعكاسات السلبية لمثل هذا السلوك على النظام السياسي والأحزاب وعلى سياق التحولات المجتمعية والمؤسسات المنظمة لحقل السلطة في مغرب اليوم؟

إن الديمقراطية تفترض أن المالك الحقيقي للسلطة هم المواطنون، وأنهم يفوضون ممارسة الشأن العام لممثلين عنهم يتم اختيارهم من بين متنافسين يبحثون عمن يحظى بثقة المواطنين، من هنا ارتبطت الديمقراطية التمثيلية بالانتخاب الذي فرض ضررورة التأطير الفكري والعملي لعملية العرض السياسي المقدم للمواطنين، وحكم ذلك على ربط الأحزاب بالانتخابات، وما عاد من الممكن التفكير في الديمقراطية  بدون أحزاب، ومادام تطور الديمقراطية هو من منح شرعية الوجود للحزب السياسي، فغير مقبول أن لا يكون الحزب متشبعا بها كقيمة ومنهاج يحكم تدبيره، ومن تم فإن النظام الديمقراطي غير مرتبط بلحظة الانتخابات فحسب، بل يحول الديمقراطية بكل مثلها إلى مكون أساسي لمنظومة قيم متكاملة، وبناء عليه فمن غير الممكن أولا تصور الديمقراطية بدون أحزاب، وثانيا من غير المنطقي أن لا تكون الأحزاب ديمقراطية بينما الدولة ديمقراطية. إن هناك علاقة تلازمية بين الإثنين، لكن قد يفهم البعض بأنه من الممكن أن توجد الدولة الديمقراطية بدون أحزاب ديمقراطية،  و لا أظن أن ذلك تحقق في مكان ما، لقد كان الكثيرون يروجون لتجربة زين العابدين بنعلي ويعتقدون أن الدولة لوحدها بإمكانها أن تقود كل شيء في استغناء تام عن الأحزاب وحتى عن المجتمع، غير أن ذلك كشف فيما بعد وجود فساد بنيوي، كانت نتائجه وخيمة على البلاد. إن من يفكر بأن الدولة منفصلة عن المجتمع مجانب للصواب، فلا وجود لدولة نزلت من السماء، أو خرجت من باطن الأرض، بل هي إفراز طبيعي للمجتمع، وكلما توطدت العلاقات بين الطرفين، وحدث تقاسم للقيم، كلما أمكن السير دون خوف من المستقبل، حيث تختفي منازعة السلطة السياسية في مشروعيتها، وكلما شعرت مكونات الدولة بأنها منفصلة عن المجتمع بعيدة عن مؤسساته كلما اتسعت الهوة بينهما، بحيث يسود في نهاية المطاف نوع من حوار الصم بين الإثنين، وهذا الأمر ليس في مصلحة أي طرف.

ـ ما هو الأفق الذي ترسمه هذه التحولات في المجال الحزبي والسياسي، بعد حالة الانحسار الذي شهدته جل الأحزاب السياسية، وبعد تآكل تنظيماتها ووجود فجوة بينها وبين المجتمع المفترض أن تقوم بتأطريه؟

لقد تأكد منذ مدة أن الكثير من الأحزاب السياسية تعيش مرحلة ركود غير محمود، فأغلب الزعامات السياسية تجاوزت الستين، وخطابها لا يتكلم ولا يفهم الشباب الذي يشكل أغلبية السكان بالمغرب، إن المشاكل التي يعيشها الشباب  مثل مشكل البطالة، كان من الطبيعي أن تتنافس الأحزاب السياسية على ابتكار حلول لها، ولكن الأحزاب تقف موقف المتفرج، ولعل من يرى زعماء الأحزاب وقيادييه يجوبون المغرب طولا وعرضا هذه الأيام، بحثا عن الأعيان للترشح للانتخابات المقبلة، لضمان الحصول على المقاعد البرلمانية، سيدرك أن السياسة خسئت، وأن ممارستها بالشكل الذي نعيشه اليوم لا ينسجم مع طبيعة المرحلة ولا يساير تطلعات المجتمع، وقد يشعر المواطن أن الأحزاب بشكلها الحالي غريبة عنه، بل قد يطرح سؤالا كبيرا عن جدواها وجدوى النفقات التي تخصص لها من المال العام، هذا لا يعني أن الحياة السياسية يمكن أن تستقيم بدون أحزاب، ولكن المجتمع في حاجة إلى أحزاب تكون قادرة على القيام بدور الوساطة الحقيقية بين الدولة والمجتمع، لقد عشنا أحداثا سياسية عديدة في السنوات الأخيرة، تراجعت فيها الأحزاب إلى الوراء، وتركت السلطة في مواجهة مع المواطن فكان لذلك نتائج لا أحد يقبلها، ربما قد تتغير الأمور داخل الأحزاب السياسية جراء إلغاء اللائحة الوطنية للشباب، حيث قد يهب هؤلاء لانتزاع مكان لهم في المكاتب السياسية وفي القيادات، ولكن هذا الأمر قد يتطلب وقتا ولن يتم بين عشية وضحاها، ولكنه سيجرد القيادات الحزبية من آلية أساسية كثيرا ما وظفت بشكل غير عادل.

 إن المغرب اليوم بإمكانه أن يختار أين يريد أن يكون، فإما أن يرفع بصره إلى شمال ضفة المتوسط، ويعمل من أجل أن يتفاعل مع ما يحدث هناك، وهو الأمر الذي قد يؤهله بالفعل إلى ريادة حقيقية على المستوى الإقليمي، أما الاتجاه نحو اليمين فمليء بالانكسارات، لقد حقق المغرب تصالحا نوعيا مع الذات على مستويات متعددة، وبقدر ما ضغط مناخ الجائحة على الاقتصاد، عزز فلسفة التضامن، وأفرز تحولا نوعيا نحو تماسك اجتماعي مؤسساتي سيشعر الناس معه أكثر بالأمان، وكل الإمكانيات والقدرات متوافرة لتحويل الأزمة التي فرضتها الجائحة على العالم، إلى انطلاقة حقيقية نحو مستقبل أفضل قد تبدو معالمه مع النموذج التنموي الجديد.

 

 

 


Libellés :

Enregistrer un commentaire

[blogger][facebook][disqus]

Cress Revue

{picture#http://store4.up-00.com/2017-07/149982714684611.jpg} Revue marocaine des sciences politiques et sociales, Dossier "Economie politique du Maroc", volume XIV, Hors série. Les auteurs du volume n'ont pas hésité ... {facebook#http://facebook.com} {twitter#http://twitter.com} {google#http://google.com} {pinterest#http://pinterest.com} {youtube#http://youtube.com} {instagram#http://instagram.com}

Formulaire de contact

Nom

E-mail *

Message *

Fourni par Blogger.