Hommage au Pr. Mohamed EL FAIZ... Pr.M.LAARISSA










الدكتور محمد الفايز 1952/2017

  

الأستاذ محمد الفايز من مواليد إقليم أسفي سنة 1952 وقد وافته المنية وهو لا يزال مشتغلا بالبحث والتدريس بكلية العلوم القانونية والاجتماعية والاقتصادية بجامعة القاضي عياض بمراكش حتى أواسط شهر يناير 2017.

 

الأستاذ محمد الفايز اقتصادي التكوين وقد ساهم منذ نهاية السبعينات من القرن الماضي في إحداث شعبة الدراسات الاقتصادية بنفس الكلية، كما ترأس هذه الشعبة لسنوات عدة وعلى فترات متفاوتة. ويعد محمد الفايز أحد أبرز تلامذة الاقتصادي المغربي.

 

الشهير المرحوم الأستاذ عزيز بلال والمعروف قيد حياته باهتماماته النظرية المحسوبة على اليسار بمجتمعات الجنوب، وبانشغالاته الميدانية بالأوضاع الاقتصادية لما سمي خلال الستينات والسبعينات " بالعالم الثالث"، مع التركيز على المسألة الزراعية وبرامج الإصلاح الزراعي ببلدان هذا العالم من بينها المغرب على وجه أخص. وليس غريبا أن نجد تواتر هذا الاهتمام الاقتصادي ذي الخلفية الاجتماعية، لدى خلفه محمد الفايز، وان اتخذت المسألة أبعادا متعددة تجاوزت الاهتمام المباشر بقضايا الوضع الزراعي والأوضاع المميزة للأوساط الفلاحية والقروية بالمغرب، لتتحول إلى سؤال فكري وثقافي وحضاري يخص الإرث العربي الإسلامي علميا وميدانيا، في مجال ما سوف يصطلح عليه "بعلوم الفلاحة"، قرونا قبل ان يتخذ هذا العلم صيغه الحالية بمعاهد البحث الزراعي في شكلها الراهن.

 

ولعل عناوين البحوث التي استقطبت مجهودات محمد الفايز في مرحلة الإعداد الأكاديمي تدل بشكل واضح على هذا التوجه الاقتصادي الفلاحي والحضاري لديه. لقد انصب بحثه لنيل شهادة الدروس المعمقة – وفق النظام الأسبق- على موضوع: " تجربة الإصلاح الزراعي بتونس (1976)، ليليه بعد ذلك بحثه الخاص لنيل دبلوم السلك الثالث تحت عنوان:

* بحث حول الرأسمالية الزراعية ببلدان المحيط: حالة السقي بالمغرب.

* 1979، في حين ستنصب: أطروحته لنيل شهادة دكتوراه الدولة على موضوع:

* التصورات الاقتصادية والزراعية والتقنية في" كتاب: الفلاحة النبطية "(1987)، وهو الموضوع الذي تم تحضيره تحت إشراف الباحث والخبير الدولي الأستاذ توفيق فهد بديلا عن الأستاذ عزيز بلال بعد أن اختطفته الموت هذا الأخير بشكل مفاجئ.

 

وإلى جانب مهمة التدريس والتأطير، دأب محمد الفايز على البحث والكتابات العلمية في مجالات تمحورت غالبيتها حول تاريخ التقنيات والفنون العملية في مجالات الزراعة والسقي خلال العصور الوسطى، وبالضبط خلال المرحلة العربية الإسلامية بالأندلس. وسيعمل الباحث جاهدا على التعريف بمتن ومخطوطات كثيرة في هذا المجال ظلت مغمورة لدى مؤرخي العلوم بصفة عامة بل ولدى المؤرخ العربي والمغاربي نفسه. لقد توزعت أعماله عشرات المقالات والكتابات العلمية المتناثرة في مجلات عالمية الصيت، كما خلف جملة من المؤلفات القوية الدلالة بالنسبة لقضايا البيئة وحماية التراث نذكر منها:

"علم الزراعة بالهلال الخصيب قديما: تحليل الفلاحة النبطية بقتامة"؛

"الحدائق التاريخية بمراكش "

"الذاكرة الإيكولوجية لمدينة سلطانية "؛

"ابن العوام: كتاب الفلاحة"؛

"مراكش: تراث في خطر"؛

"سادة الماء: تاريخ علوم السقي العربية"؛

"الزراعة ومهندسو الزراعة بالأندلس ما بين القرن 9/14"

"حوار الزهور".

 

إن القاسم المشترك بين كل هذه الأعمال هو محاولة حفظ الذاكرة الثقافية وإزاحة النسيان أو التناسي عن جزء كبير من المساهمة العربية الإسلامية في تاريخ العلوم العملية ناهيك عن العلوم النظرية في بعدها الكوني وعبر مسار انطلق ذات يوم من حضارات عميقة في الزمان كالحضارة النبطية والإغريقية والرومانية لتمتد وتتوقف عبر لحظة إغناء في سياق الحضارة العربية الإسلامية شرقا وغربا.

 

إن أعمال الأستاذ محمد الفايز كباحث، ومواقفه كمواطن ناضل من أجل الحفاظ على الموروث الثقافي و البيئي و الحضاري قد انطوت على حرصه القوي لانتشال الاعتراف الحضاري لصالح الثقافة العربية بالانتماء إلى موكب المبدعين و المساهمين في الحضارة الإنسانية ، مع الدعوة إلى إعادة كتابة تاريخ هذه الحضارة على نحو يفسح المجال لتسجيل المساهمة العربية في بناء صرح الحضارة الكونية للبشرية، و التي غالبا ما كانت تختزل في أصولها و مصادرها الإغريقية و الرومانية و اللاتينية ضدا على الآثار و النصوص و المنجزات التي تشهد عربيا و إسلاميا بعكس ذلك / و لعل الظاهرة الأندلسية من الناحية الثقافية و الحضارية أكثر من دليلٍ قويٍ لتفنيد هذا الاختزال العرقي المجحف. لقد بينت أعمال الأستاذ الفايز كيف أصبحت إشبيلية خلال القرنين 11 و12 الميلاديين العاصمة الفلاحية للبحر الأبيض المتوسط، والعاصمة الفكرية للبلاد العربية الإسلامية، بل ولبلدان المعمور، ضمن عصر وسيط انسدلت أحجبة الظلام على جل مناطقه وسطعت انوار المعرفة والاجتهاد في الجزء العربي والأندلسي منه.

 

لم تكن أسئلة الأستاذ محمد الفايز وهو ينقب في ثنايا الماضي وينفث الغبار عن ادراجه أسئلة حنين وانشداد إلى هذا الماضي الذي ولى، ولكنها كانت محاولة للدعوة إلى إعادة النظر في الحكم التبسيطي المتداول حتى اليوم حول الإسلام كحضارة وكثقافة تنتظم في الواقع عبرها – عكس ما يشاع- وعلى نحو متكامل ومتناغم علاقات الإنسان بالإنسان في اختلافه وتعدد مرجعياته وكذا علاقة الإنسان بالحياة وبالطبيعة الأم. فهذه الحضارة التي دأبت ذات يوم وذات حقبة على أن تحول العالم والمدن إلى حدائق وأن تنحث مفهوم " المدينة الحديقة" La cité jardin   لا يمكن بكل السهولة الممكنة أن تتحول إلى ثقافة تنتج للموت وتعادي الحياة في كل أشكالها وصيغ ازدهارها. وكما أن هذه الحضارة نفسها وبعيدا عن كل تعصب عرقي أو هوياتي قد عملت يوما على نقل العلوم النظرية الفلسفية منها من لحظتها الإغريقية الرومانية إلى لحظة استنباتها وإغناءها عربيا، فقد عملت نفس الحضارة على استيعاب العلوم التقنية والعملية للقدامى إغريقا ورومانا وغيرهم، لتحتضن هذه التقنيات وهذه العلوم وترعاها وتغنیها  و تنسج من خلالها هويتها كحضارة عملية تزاوج بين النظر و العمل بين الروح و الجسد، بين التعالي الصوفي و الارتباط بمجالات التجريب العملي الذي يمهد لأول مرة في تاريخ البشرية ظهور ما يسميه الأستاذ الفايز بمفهوم" المهندس الزراعي" ، و مفهوم "الخبير في مجال علوم السقي " . لقد ساهم التوجه العملي للحضارة العربية بالأندلس على الخصوص في وضع اللبنات الأولى للعلم الحديث والمدنية الحديثة: ذلك ما يتوضح من خلال أعمال أعلام من قبيل ابن حجاج، وابن بصال وابن العوام وغيرهم. ولم يقتصر دور هذه الحضارة على النقل الجامد والعقيم لتراث السابقين كما ادعت ذلك أكثر من قراءة إثنو-مركزية. بل على العكس ستبرز أعمال الأستاذ الفايز الدور الحاسم لهذه الحضارة المسكوت عنها ومكانتها الحاسمة في التاريخ المعرفي والعملي للبشرية. وتلك إحدى واجهات العمل الأكاديمي الملتزم الذي استغرق مجهودات الراحل لعقود من الزمن.

 

عندما يستعرض القارئ والمتتبع لمسيرة الرجل العلمية والفكرية سيستوقفه لا محالة انشغاله الضاغط بسؤال الراهن، راهن الموروث البيئي والحضاري، وراهن تهديد لهذا الموروث نفسه من قبل أصحاب القرار من ابناء الجلدة. لقد استرعت انتباهه اعمال التخريب التي انطوت عليها برامج التعمير وخطط الاستثمار التي تلهث وراء الربح السريع ولا تقيم وزنا للدلالة التاريخية والعمق الحضاري للمجال المتوارث، الذي عملت سلطة الحماية أحيانا، بالرغم من توجهها الاستعماري، على حمايته والعناية به كفضاءات النخيل، ومجالات الخضرة بمدن المغرب وبمراكش على وجه أخص. ولعل أكبر هدر يتهدد الموروث التاريخي والبيني هو ما عرفه " جنان أكدال " في مرحلة ما بعد الاستقلال.

 

إن سؤال الموروث الحضاري والبيئي والثقافي هو سؤال راهن يخص الأحياء من حيث حقهم في التمتع بهذا الموروث، وحقهم في تدبيره وإغناءه ورصد قيمته المادية واللامادية. لقد اخترق سؤال الحق في التراث وحق التراث على الأحياء مجمل كتابات الأستاذ الفايز، ووجه اهتماماته الأكاديمية التي لم تخل من دلالة سياسية بالمفهوم الواسع للكلمة. لقد ساءلت أعماله ومواقفه مختلف نماذج السياسات العمومية لمرحلة ما بعد الاستقلال من حيث قدرتها على الاستفادة من المجهود العمراني والبيني لمرحلة الحماية وقصورها أحيانا في تعميق هذا الإرث خدمة للتوازن البيئي، وحفاظا على معالم الهوية الحضارية، في أفق يرفق احتضان الموروث بإمكانية تجديده وإطلاق القدرات الإبداعية لدى وارثيه، بعيدا عن كل تحنيط أو هدر او اجتثاث.

 

وإذا كانت جهود الاستاذ الفايز وانخراطه النضالي لأربعة عقود وهو يرافع لصالح القضية البينية والأنماط المعرفية والممارسات الفضلي المتوارثة في مجال المحافظة على الوسط البيئي، إذا كانت مجهوداته تلك قد تم غض الطرف عنها محليا ووطنيا فسرعان ما سوف تفرض نفسها على المستوى الخارجي، -وتلك هي المفارقة - ليتم التنويه بها في أكثر من محفل دولي. فقلد حظي الأستاذ الباحث والمهتم بقضايا الموروث الحضاري والبيني بعدة جوائز دولية، "كالجائزة الدولية الأولى لحضارة الماء" (إيطاليا 2007)، وجائزة إمارة موناكو "لأفضل مبادرة للتنمية المستدامة المنصفة لمورد الماء "(2009). وللذكرى نشير أن الأستاذ الفايز سنوات قبل وفاته كان منأهم معدي ومهندسي متحف الماء بمراكش الذي تم تدشينه أياما بعد رحيله. كما كان الباحث محمد الفايز موضوع إشادات دولية عدة بوأته عضوية لجان ومراصد دولية حول قضايا البيئة وتدبير الثروة المائية.

 

لقد غادر الأستاذ محمد الفايز الحياة بعد ان أجزل العطاء بحثا ونضالا ومواقف حضارية، كما شق طريقا جوهريا لتصور بدائل غنية وواعدة في مجال العمل الزراعي المستند إلى قناعات التضامن واحترام البيئة والاستجابة لضرورة الأمن الغذائي كإحدى أولويات القارة الإفريقية وضمنها المغرب، وفتحت أعماله بابا للاجتهاد يستنفر اليوم جل الباحثين لإعادة اكتشاف الدور الحاسم للحضارة العربية في بناء حضارة عملية وعقلانية تنفتح على ممكنات الحياة ضمن فلسفة ترعى هذه الحياة وتؤجج الانشداد الجمالي والشاعري لها.






Libellés :

Enregistrer un commentaire

[blogger][facebook][disqus]

Cress Revue

{picture#http://store4.up-00.com/2017-07/149982714684611.jpg} Revue marocaine des sciences politiques et sociales, Dossier "Economie politique du Maroc", volume XIV, Hors série. Les auteurs du volume n'ont pas hésité ... {facebook#http://facebook.com} {twitter#http://twitter.com} {google#http://google.com} {pinterest#http://pinterest.com} {youtube#http://youtube.com} {instagram#http://instagram.com}

Formulaire de contact

Nom

E-mail *

Message *

Fourni par Blogger.